فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه ، فكون الفعل فاحشة كاف في الدّلالة على أنّ اللّه لا يأمر به لأنّ اللّه له الكمال الأعلى ، وما كان اعتذارهم بأنّ اللّه أمر بذلك إلّا عن جهل ، ولذلك وبّخهم اللّه بالاستفهام التّوبيخي بقوله :
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
أي ما لا تعلمون أنّ اللّه أمر به ، فحذف المفعول لدلالة ما تقدّم عليه ، لأنّهم لم يعلموا أنّ اللّه أمرهم بذلك إذ لا مستند لهم فيه ، وإنّما قالوه عن مجرّد التّوهّم ، ولأنّهم لم يعلموا أنّ اللّه لا يليق بجلاله وكماله أن يأمر بمثل تلك الرّذائل .
وضمن :
تَقُولُونَ
معنى تكذبون أو معنى تتقوّلون ، فلذلك عدّي بعلى ، وكان حقّه أن يعدى بعن لو كان قولا صحيح النّسبة ، وإذ كان التّوبيخ واردا على أن يقولوا على اللّه ما لا يعلمون كان القول على اللّه بما يتحقّق عدم وروده من اللّه أحرى .
وبهذا الرد تمحض عملهم تلك الفواحش للضّلال والغرور واتّباع وحي الشّياطين إلى أوليائهم أئمّة الكفر ، وقادة الشّرك : مثل عمرو بن لحي ، الذي وضع عبادة الأصنام ، ومثل أبي كبشة ، الذي سنّ عبادة الشّعري من الكواكب ، ومثل ظالم بن أسعد ، الذي وضع عبادة العزى ، ومثل القلمّس ، الذي سنّ النّسيء إلى ما اتّصل بذلك من موضوعات سدنة الأصنام وبيوت الشّرك .
واعلم أن ليس في الآية مستند لإبطال التّقليد في الأمور الفرعيّة أو الأصول الدّينيّة لأنّ التّقليد الذي نعاه اللّه على المشركين هو تقليدهم من ليسوا أهلا لأنّ يقلّدوا ، لأنّهم لا يرتفعون عن رتبة مقلّديهم ، إلّا بأنّهم أقدم جيلا ، وأنّهم آباؤهم ، فإنّ المشركين لم يعتذروا بأنّهم وجدوا عليه الصّالحين وهداة الأمّة ، ولا بأنّه ممّا كان عليه إبراهيم وأبناؤه ، ولأنّ التّقليد الذي نعاه اللّه عليهم تقليد في أعمال بديهيّة الفساد ، والتّقليد في الفساد يستوي ، هو وتسنينه ، في الذّم ، على أنّ تسنين الفساد أشدّ مذمّة من التّقليد فيه كما أنبأ عنه
الحديث الصّحيح : « ما من نفس تقتل ظلما إلّا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ذلك لأنّه أوّل من سنّ القتل »
-
وحديث : « من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
فما فرضه الذين ينزعون إلى علم الكلام من المفسّرين في هذه الآية من القول في ذمّ التّقليد ناظر إلى اعتبار الإشراك داخلا في فعل الفواحش .
[ 29 ، 30 ]