تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
والإسلام ، لم يطلبوا النّجاة ولم يتفكّروا في ضلال الشّرك البيّن ، ولكنّهم استوحوا شياطينهم ، وطابت نفوسهم بوسوستهم ، وائتمروا بأمرهم ، واتّخذوهم أولياء ، فلا جرم أن يدوموا على ضلالهم لأجل اتّخاذهم الشّياطين أولياء من دون اللّه . وعطف جملة :
وَيَحْسَبُونَ
على جملة :
اتَّخَذُوا
فكان ضلالهم ضلالا مركبا ، إذ هم قد ضلّوا في الائتمار بأمر أئمّة الكفر وأولياء الشّياطين ، ولمّا سمعوا داعي الهدى لم يتفكّروا ، وأهملوا النّظر ، لأنّهم يحسبون أنّهم مهتدون لا يتطرق إليهم شكّ في أنّهم مهتدون ، فلذلك لم تخطر ببالهم الحاجة إلى النّظر في صدق الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم . والحسبان الظنّ ، وهو هنا ظن مجرّد عن دليل ، وذلك أغلب ما يراد بالظنّ وما يرادفه في القرآن . وعطف هذه الجملة على التي قبلها ، واعتبارهما سواء في الإخبار عن الفريق الذين حقّت عليهم الضّلالة ، لقصد الدّلالة على أنّ ضلالهم حاصل في كلّ واحد من الخبرين ، فولاية الشّياطين ضلالة ، وحسبانهم ضلالهم هدى ضلالة أيضا ، سواء كان ذلك كلّه عن خطأ أو عن عناد ، إذ لا عذر للضّال في ضلاله بالخطإ ، لأنّ اللّه نصب الأدلّة على الحقّ وعلى التّمييز بين الحقّ والباطل . [ 31 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 31 ]

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) إعادة النّداء في صدر هذه الجملة للاهتمام ، وتعريف المنادى بطريق الإضافة بوصف كونهم بني آدم متابعة للخطاب المتقدّم في قوله :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً
[ الأعراف : 26 ] . وهذه الجملة تتنزّل ، من التي بعدها ، وهي قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
[ الأعراف : 32 ] منزلة النّتيجة من الجدل ، فقدمت على الجدل فصارت غرضا بمنزلة دعوى وجعل الجدل حجّة على الدّعوى ، وذلك طريق من طرق الإنشاء في ترتيب المعاني ونتائجها . فالمقصد من قوله :
خُذُوا زِينَتَكُمْ
إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التّعرّي في الحجّ في أحوال خاصّة ، وعند مساجد معيّنة ، فقد أخرج مسلم عن ابن عبّاس ، قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كلّه * وما بدا منه فلا أحلّه