تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
اللّه للإخلاص ونبذ الشّرك ، وفريقا دام على الضّلال ولازم الشّرك . وجملة :
هَدى
في موضع الصّفة لفريقا الأوّل ، وقد حذف الرّابط المنصوب : أي هداكم اللّه ، وجملة :
حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
صفة
فَرِيقاً
الثّاني . وهذا كلّه إنذار من الوقوع في الضّلالة ، وتحذير من اتّباع الشّيطان ، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من اللّه تعالى ، كما دلّ عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله :
هَدى
فيعلم السّامعون أنّهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم اللّه تعالى كما قال :
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ المجادلة : 22 ] وأنّ الفريق الخاسر هم الذين حقّت عليه الضّلالة واتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه كما قال :
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ المجادلة : 19 ] . وتقديم
فَرِيقاً
الأوّل والثّاني على عامليها للاهتمام بالتّفصيل . ومعنى :
حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
ثبتت لهم الضّلالة ولزموها . ولم يقلعوا عنها ، وذلك أنّ المخاطبين كانوا مشركين كلّهم ، فلمّا أمروا بأن يعبدوا اللّه مخلصين افترقوا فريقين : فريقا هداه اللّه إلى التّوحيد ، وفريقا لازم الشّرك والضّلالة ، فلم يطرأ عليهم حال جديد . وبذلك يظهر حسن موقع لفظ :
حَقَّ
هنا دون أن يقال أضلّه اللّه ، لأنّ ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم ، كما قال تعالى في نظيره :
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] - ثمّ قال -
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
[ النحل : 37 ] ، فليس تغيير الأسلوب بين :
فَرِيقاً هَدى
وبين
وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
تحاشيا عن إسناد الإضلال إلى اللّه ، كما توهمه صاحب « الكشاف » ، لأنّه قد أسند الإضلال إلى اللّه في نظير هذه الآية كما علمت وفي آيات كثيرة ، ولكنّ اختلاف الأسلوب لاختلاف الأحوال . وجرد فعل حقّ عن علامة التّأنيث لأنّ فاعله غير حقيقي التّأنيث ، وقد أظهرت علامة التّأنيث في نظيره في قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] . وقوله :
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
استئناف مراد به التّعليل لجملة
حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] ، وهذا شأن ( إنّ ) إذا وقعت في صدر جملة عقب جملة أخرى أن تكون للرّبط والتّعليل وتغني غناء الفاء ، كما تقدّم غير مرّة . والمعنى أنّ هذا الفريق ، الذي حقت عليهم الضّلالة ، لمّا سمعوا الدّعوة إلى التّوحيد
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور