تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
قالوا وجدنا عليها آباءنا ، وليس المراد بالإنكار والنّهي خصوص نهي الإسلام إياهم عن ضلالهم ، ولكن المراد نهي أيّ ناه وإنكار أيّ منكر ، فقد كان ينكر عليهم الفواحش من لا يوافقونهم عليها من القبائل ، فإنّ دين المشركين كان أشتاتا مختلفا ، وكان ينكر عليهم ذلك من خلعوا الشّرك من العرب مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمّية ابن أبي الصّلت ، وقد قال لهم زيد بن عمرو : « إنّ اللّه خلق الشّاة وأنزل لها الماء من السّماء وأنبت لها العشب ثمّ أنتم تذبحونها لغيره » وكان ينكر عليهم من يتحرج من أفعالهم ثمّ لا يسعه إلّا اتّباعهم فيها إكراها . وكان ينكر عليهم من لا توافق أعمالهم هواه : كما وقع لإمرئ القيس ، حيث عزم على قتال بني أسد بعد قتلهم أباه حجرا ، فقصد ذا الخلصة - صنم خثعم - واستقسم عنده بالأزلام فخرج له النّاهي فكسر الأزلام وقال :
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا * مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا ثمّ جاء الإسلام فنعى عليهم أعمالهم الفاسدة ، وأسمعهم قوارع القرآن فحينئذ تصدّوا للاعتذار . وقد علم من السّياق تشنيع معذرتهم وفساد حجّتهم . ودلّت الآية على إنكار ما كان مماثلا لهذا الاستدلال وهو كلّ دليل توكأ على اتّباع الآباء في الأمور الظّاهر فسادها وفحشها ، وكلّ دليل استند إلى ما لا قبل للمستدل بعلمه ، فإنّ قولهم :
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
دعوى باطلة إذ لم يبلغهم أمر اللّه بذلك بواسطة مبلّغ ، فإنّهم كانوا ينكرون النّبوءة ، فمن أين لهم تلقي مراد اللّه تعالى . وقد ردّ اللّه ذلك عليهم بقوله لرسوله :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
فأعرض عن ردّ قولهم :
وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا
لأنّه إن كان يراد ردّه من جهة التّكذيب فهم غير كاذبين في قولهم ، لأنّ آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش ، وإن كان يراد ردّه من جهة عدم صلاحيته للحجّة فإنّ ذلك ظاهر ، لأنّ الإنكار والنّهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم ، إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل ، فصار ردّ هذه المقدّمة من دليلهم بديهيا وكان أهمّ منه ردّ المقدّمة الكبرى ، وهي مناط الاستدلال ، أعني قولهم :
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
. فقوله :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
نقض لدعواهم أنّ اللّه أمرهم بها أي بتلك الفواحش ، وهو ردّ عليهم ، وتعليم لهم ، وإفاقة لهم من غرورهم ، لأنّ اللّه متّصف بالكمال