تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
غيره . والدّين بمعنى الطّاعة من قولهم دنت لفلان أي أطعته . ومنه سمّي اللّه تعالى : الديّان ، أي القهّار المذلّل المطوع لسائر الموجودات ونظير هذه الآية قوله تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] ، والمقصد منها إبطال الشّرك في عبادة اللّه تعالى ، وفي إبطاله تحقيق لمعنى القسط الذي في قوله :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
كما قدمناه هنالك ، و
مُخْلِصِينَ
حال من الضّمير في ادعوه . وجملة :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
في موضع الحال من الضّمير المستتر في قوله :
مُخْلِصِينَ
وهي حال مقدرة أي : مقدّرين عودكم إليه وأنّ عودكم كبدئكم ، وهذا إنذار بأنّهم مؤاخذون على عدم الإخلاص في العبادة ، فالمقصود منه هو قوله :
تَعُودُونَ
أي إليه ، وأدمج فيه قوله :
كَما بَدَأَكُمْ
تذكيرا بإمكان البعث الذي أحالوه ؛ فكان هذا إنذارا لهم بأنّهم عائدون إليه فمجازون عن إشراكهم في عبادته ، وهو أيضا احتجاج عليهم على عدم جدوى عبادتهم غير اللّه ، وإثبات للبعث الذي أنكروه بدفع موجب استبعادهم إياه ، حين يقولون :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ *
[ الواقعة : 47 ] - ويقولون -
أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً
[ النازعات : 10 ، 11 ] ونحو ذلك ، بأنّ ذلك الخلق ليس بأعجب من خلقهم الأوّل كما قال تعالى :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ ق : 15 ] وكما قال :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم : 27 ] أي بنقيض تقدير استبعادهم الخلق الثّاني ، وتذكير لهم بأنّ اللّه منفرد بخلقهم الثّاني ، كما انفرد بخلقهم الأوّل ، فهو منفرد بالجزاء فلا يغني عنهم آلهتهم شيئا . فالكاف في قوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
لتشبيه عود خلقهم ببدئه و ( ما ) مصدريّة والتّقدير : تعودون عودا جديدا كبدئه إيّاكم ، فقدم المتعلّق ، الدّال على التّشبيه ، على فعله ، وهو تعودون ، للاهتمام به ، وقد فسّرت الآية في بعض الأقوال بمعان هي بعيدة عن سياقها ونظمها . و
فَرِيقاً
الأوّل والثّاني منصوبان على الحال : إمّا من الضّمير المرفوع في
تَعُودُونَ
، أي ترجعون إلى اللّه فريقين ، فاكتفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلهما بالتّفصيل الدّال على الإجمال تعجيلا بذكر التّفصيل لأنّ المقام مقام ترغيب وترهيب ، ومعنى
فَرِيقاً هَدى
: أنّ فريقا هداهم اللّه في الدّنيا وفريقا حقّ عليهم الضّلالة ، أي في الدّنيا ، كما دلّ عليه التّعليل بقوله :
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، وإمّا من الضّمير المستتر في قوله :
مُخْلِصِينَ
أي ادعوه مخلصين حال كونكم فريقين : فريقا هداه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 69 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور