[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 29 إلى 30 ]
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 )
بعد أن أبطل زعمهم أنّ اللّه أمرهم بما يفعلونه من الفواحش إبطالا عاما بقوله :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] استأنف استئنافا استطراديا بما فيه جماع مقوّمات الدّين الحق الذي يجمعه معنى القسط أي العدل تعليما لهم بنقيض جهلهم ، وتنويها بجلال اللّه تعالى ، بأنّ يعلموا ما شأنه أن يأمر اللّه به . ولأهميّة هذا الغرض ، ولمضادته لمدّعاهم المنفي في جملة :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] فصلت هذه الجملة عن التي قبلها ، ولم يعطف القول على القول ولا المقول على المقول : لأنّ في إعادة فعل القول وفي ترك عطفه على نظيره لفتا للأذهان إليه .
والقسط : العدل وهو هنا العدل بمعناه الأعمّ ، أي الفعل الذي هو وسط بين الإفراط والتّفريط في الأشياء ، وهو الفضيلة من كلّ فعل ، فاللّه أمر بالفضائل وبما تشهد العقول السّليمة أنّه صلاح محض وأنّه حسن مستقيم ، نظير قوله :
وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان :
67 ] فالتّوحيد عدل بين الإشراك والتّعطيل ، والقصاص من القاتل عدل بين إطلال الدّماء وبين قتل الجماعة من قبيلة القاتل لأجل جناية واحد من القبيلة لم يقدر عليه . وأمر اللّه بالإحسان ، وهو عدل بين الشحّ والإسراف ، فالقسط صفة للفعل في ذاته بأن يكون ملائما للصّلاح عاجلا وآجلا ، أي سالما من عواقب الفساد ، وقد نقل عن ابن عبّاس أنّ القسط قول لا إله إلّا هو ، وإنّما يعني بذلك أنّ التّوحيد من أعظم القسط ، وهذا إبطال للفواحش التي زعموا أنّ اللّه أمرهم بها لأنّ شيئا من تلك الفواحش ليس بقسط ، وكذلك اللّباس فإنّ التّعري تفريط ، والمبالغة في وضع اللباس إفراط ، والعدل هو اللّباس الذي يستر العورة ويدفع أذى القرّ أو الحرّ ، وكذلك الطّعام فتحريم بعضه غلو ، والاسترسال فيه نهامة ، والوسط هو الاعتدال ، فقوله :
أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
كلام جامع لإبطال كلّ ما يزعمون أنّ اللّه أمرهم به ممّا ليس من قبيل القسط .
ثمّ أعقبه بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم عن اللّه :
أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
فجملة :
وَأَقِيمُوا
عطف على جملة :
أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
أي قل لأولئك المخاطبين أقيموا وجوهكم . والقصد الأوّل منه إبطال بعض ممّا زعموا أنّ اللّه أمرهم به بطريق أمرهم بضدّ ما زعموه ليحصل أمرهم بما يرضي اللّه بالتّصريح . وإبطال شيء زعموا أنّ اللّه أمرهم به بالالتزام ، لأنّ الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه ، وإن شئت قلت لأنّ من يريد النّهي عن