تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
الشيطان ، وكثر ذلك في أقوال النبي صلى اللّه عليه وسلّم وجعل للذين قبلهم الأمر بالتذكر ، كما ادخر لنا يوم الجمعة . و ( التقوى ) تقدم بيانها عند قوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
في سورة البقرة [ 2 ] ، والمراد بهم : الرسل وصالحو أممهم ، لأنه أريد جعلهم قدوة وأسوة حسنة . و ( المس ) حقيقته وضع اليد على الجسم ، واستعير للإصابة أو لأدنى الإصابة . والطائف هو الذي يمشي حول المكان ينتظر الإذن له ، فهو النازل بالمكان قبل دخوله المكان ، اطلق هنا على الخاطر الذي يخطر في النفس يبعث على فعل شيء نهى اللّه عن فعله شبه ذلك الخاطر في مبدأ جولانه في النفس بحلول الطائف قبل أن يستقر . وكانت عادة العرب أن القادم إلى أهل البيت ، العائذ برب البيت ، المستأنس للقرى يستأنس ، فيطوف بالبيت ، ويستأذن ، كما ورد في قصة النابغة مع النعمان بن المنذر حين أنشد أبياته التي أولها : أصم أم يسمع رب القبّه وتقدمت في أول سورة الفاتحة ، ومن ذلك طواف القادمين إلى مكة بالكعبة تشبها بالوافدين على المملوك ، فلذلك قدّم الطواف على جميع المناسك وختمت بالطواف أيضا ، فلعل كلمة طائف تستعمل في معنى الملم الخفي قال الأعشى :
وتصبح عن غب السّري وكأنّها * ألمّ بها من طائف الجن أولق
وقال تعالى :
فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ
[ القلم : 19 ] . وقراءة الجمهور :
طائِفٌ
، بألف بعد الطاء وهمزة بعد الألف ، وقراءة ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب : ( طيف ) بدون ألف بعد الطاء وبياء تحتية ساكنة بعد الطاء ، والطيف خيال يراك في النوم وهو شائع الذكر في الشعر . وفي كلمة ( إذا ) من قوله :
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
مع التعبير بفعل
مَسَّهُمْ
الدال على إصابة غير مكينة ، إشارة إلى أن الفزع إلى اللّه من الشيطان ، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس ، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزما ثم عملا . والتعريف في
الشَّيْطانِ
يجوز أن يكون تعريف الجنس : أي من الشياطين ويجوز