تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
يلتفت لا ينظر إلى الشيء وقد فسر ذلك في قوله تعالى :
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ *
[ الإسراء : 83 ] وهو هنا ، مستعار لعدم المؤاخذة بما يسوء من أحد ، شبه عدم المؤاخذة على العمل بعدم الالتفات إليه في كونه لا يترتب عليه أثر العلم به لأن شأن العلم به أن تترتب عليه المؤاخذة . و « الجهل » هنا ضد الحلم والرشد ، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب قبل الإسلام ، فالمراد بالجاهلين السفهاء كلهم لأن التعريف فيه للاستغراق ، وأعظم الجهل هو الإشراك ، إذ اتخاذ الحجر إلها سفاهة لا تعدلها سفاهة ، ثم يشمل كل سفيه رأي . وكذلك فهم منها الحر بن قيس في الخبر المتقدم آنفا ، وأقره عمر بن الخطاب على ذلك الفهم . وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون عفوا عن اعتداء فتدخل في
خُذِ الْعَفْوَ
، أو إغضاء عما لا يلائم فتدخل في
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
، أو فعل خير واتساما بفضيلة فتدخل في
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
كما تقدم من الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء ، وهذا معنى قول جعفر بن محمد : « في هذه الآية أمر اللّه نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها وهي صالحة لأن يبين بعضها بعضا ، فإن الأمر يأخذ العفو يتقيد بوجوب الأمر بالعرف ، وذلك في كل ما لا يقبل العفو والمسامحة من الحقوق ، وكذلك الأمر بالعرف يتقيد بأخذ العفو وذلك بأن يدعو الناس إلى الخير بلين ورفق . [ 200 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 200 ]

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) وهذا الأمر مراد به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ابتداء وهو شامل لأمته . ( إما ) هذه هي ( إن ) الشرطية اتصلت بها ( ما ) الزائدة التي تزاد على بعض الأسماء غير أدوات الشروط فتصيرها أدواتها ، نحو ( مهما ) فإن أصلها ماما ، ونحو ( إذ ما ) و ( أينما ) و ( أيانما ) و ( حيثما ) و ( كيفما ) فلا جرم أن ( ما ) إذا اقترنت بما يدل على الشرط اكتسبته قوة شرطية فلذلك كتبت ( إما ) هذه على صورة النطق بها ولم تكتب مفصولة النون عن ( ما ) . والنزغ النخس والغرز ، كذا فسره في « الكشاف » وهو التحقيق ، وأما الراغب وابن عطية فقيداه بأنه دخول شيء في شيء لإفساده ، ( قلت : وقريب منه الفسخ بالسين وهو الغرز بإبرة أو نحوها للوشم ) قال ابن عطية « وقلّما يستعمل في غير فعل الشيطان
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
[ يوسف : 100 ] .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 401 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور