تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
وحقيقة الأخ المشارك في بنوة الأم والأب أو في بنوة أحدهما ويطلق الأخ مجازا على الصديق الودود ومنه ما آخى النبي صلى اللّه عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصار ، وقول أبي بكر للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لما خطب النبي منه عائشة « إنما أنا أخوك - فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلّم - أنت أخي وهي حلال لي » ويطلق الأخ على القرين كقولهم أخو الحرب ، وعلى التابع الملازم كقول عبد بني الحسحاس :
أخوكم ومولى خيركم وحليفكم * ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا
أراد أنه عبدهم ، وعلى النسب والقرب كقولهم : أخو العرب وأخو بني فلان . فضمير
وَإِخْوانُهُمْ
عائد إلى غير مذكور في الكلام ، إذ لا يصح أن يعود إلى المذكور قبله قريبا : لأن الذي ذكر قبله
الَّذِينَ اتَّقَوْا
فلا يصح أن يكون الخبر ، وهو
يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
متعلقا بضمير يعود إلى المتقين ، فتعين أن يتطلب السامع لضمير
وَإِخْوانُهُمْ
معادا غير ما هو مذكور في الكلام بقربه ، فيحتمل أن يكون الضمير عائدا على معلوم من السياق وهم الجماعة المتحدث عنهم في هذه الآيات أعني المشركين المعنيين بقوله
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً
- إلى قوله -
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً
[ الأعراف : 190 - 192 ] فيرد السامع الضمير إلى ما دل عليه السياق بقرينة تقدم نظيره في أصل الكلام ، ولهذا قال الزجاج : هذه الآية متصلة في المعنى بقوله :
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
[ الأعراف : 192 ] ، أي وإخوان المشركين ، أي أقاربهم ومن هو من قبيلتهم وجماعة دينهم ، كقوله تعالى :
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
[ آل عمران : 156 ] أي يمد المشركون بعضهم بعضا في الغي ويتعاونون عليه فلا مخلص لهم من الغي . ويجوز أن يعود الضميران إلى الشيطان المذكور آنفا باعتبار إرادة الجنس أو الأتباع ، كما تقدم ، فالمعنى وإخوان الشياطين أي أتباعهم كقوله :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
[ الإسراء : 27 ] أما الضميران المرفوعان في قوله :
يَمُدُّونَهُمْ
وقوله :
لا يُقْصِرُونَ
فهما عائدان إلى ما عاد إليه ضمير
إِخْوانُهُمْ
أي الشياطين ، وإلى هذا مال الجمهور من المفسرين ، والمعنى : وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين في الغي ، فجملة يمدونهم خبر عن
إِخْوانُهُمْ
وقد جرى الخبر على غير من هو له ولم يبرز فيه ضمير من هو له حيث كان اللبس ما مونا وهذا كقول يزيد بن منقذ :
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها * فوارس الخيل لا ميل ولا قزم