هو شأن حرف ( إن ) إذا جاء في غير مقام دفع الشك أو الإنكار ، فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لا ينكر ذلك ولا يتردد فيه ، والمراد : التعليل بلازم هذا الخبر ، وهو عوذه مما استعاذه منه ، أي :
أمرناك بذلك لأن ذلك يعصمك من وسوسته لأن اللّه سميع عليم .
و « السميع » : العالم بالمسموعات ، وهو مراد منه معناه الكنائي ، أي عليم بدعائك مستجيب قابل للدعوة ، كقول أبي ذؤيب :
دعاني إليها القلب إني لامره * سميع فما أدري أرشد طلابها
أي ممتثل ، فوصف
سَمِيعٌ
كناية عن وعد بالإجابة .
واتباعه بوصف
عَلِيمٌ
زيادة في الإخبار بعموم علمه تعالى بالأحوال كلها ، لأن وصف
سَمِيعٌ
دل على أنه يعلم استعاذة الرسول عليه الصلاة والسلام ثم أتبعه بما يدل على عموم العلم ، وللإشارة إلى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بمحل عناية اللّه تعالى فهو يعلم ما يريد به الشيطان عدوه ، وهذا كناية عن دفاع اللّه عن رسوله كقوله :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطور : 48 ] وأن أمره بالاستعاذة وقوف عند الأدب والشكر وإظهار الحاجة إلى اللّه تعالى .
[ 201 ]
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 201 ]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 )
هذا تأكيد وتقرير للأمر بالاستعاذة من الشيطان ، فتتنزل جملة :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا
إلى آخرها منزلة التعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان إذا أحسّ بنزغ الشيطان ، ولذلك افتتحت بأن التي هي لمجرد الاهتمام لا لرد تردد أو إنكار ، كما افتتحت بها سابقتها في قوله :
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ الأعراف : 200 ] فيكون الأمر بالاستعاذة حينئذ قد علل بعلتين أولاهما أن الاستعاذة باللّه منجاة للرسول عليه الصلاة والسلام من نزغ الشيطان ، والثانية :
أن في الاستعاذة باللّه من الشيطان تذكرا الواجب مجاهدة الشيطان والتيقظ لكيده ، وأن ذلك التيقظ سنة المتقين ، فالرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بمجاهدة الشيطان : لأنه متق ، ولأنه يبتهج بمتابعة سيرة سلفه من المتقين كما قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] .
وقد جاءت العلة هنا أعم من المعلل : لأن التذكر أعم من الاستعاذة .
ولعل اللّه ادخر خصوصية الاستعاذة لهذه الأمة ، فكثر في القرآن الأمر بالاستعاذة من