تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
فجملة « جالوا » خبر عن الخيل وضمير « جالوا » عائد على ما عاد عليه ضمير « وهم » لا على الخيل . وقوله فوارس خبر ضمير الجمع . ويجوز أن يكون المراد من الإخوان الأولياء ويكون الضميران للمشركين أيضا ، أي وإخوان المشركين وأولياؤهم ، فيكون « الإخوان » صادقا بالشياطين كما فسر قتادة ، لأنه إذا كان المشركون إخوان الشياطين ، كما هو معلوم ، كان الشياطين إخوانا للمشركين لأن نسبة الأخوة تقتضي جانبين ، وصادقا بعظماء المشركين ، فالخبر جار على من هو له ، وقد كانت هذه المعاني مجتمعة في هذه الآيات بسبب هذا النظم البديع . وقرأ نافع ، وأبو جعفر :
يَمُدُّونَهُمْ
- بضم الياء وكسر الميم - من الامداد وهو تقوية الشيء بالمدد والنجدة كقوله :
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ
[ الشعراء : 133 ] ، وقرأه البقية :
يَمُدُّونَهُمْ
- بفتح الياء وضم الميم - من مد الحبل يمده إذا طوله ، فيقال : مد له إذا أرخى له كقولهم : ( مد اللّه في عمرك ) وقال أبو علي الفارسي في كتاب « الحجة » « عامة ما جاء في التنزيل مما يستحب أمددت على أفعلت كقوله :
أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ
[ المؤمنون : 55 ]
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ
[ الطور : 22 ] و
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ
[ النمل : 36 ] ، وما كان بخلافه يجيء على مددت قال تعالى :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
[ البقرة : 15 ] فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب إليه الأكثر من القراء - والوجه في قراءة من قرأ يمدونهم - أي بضم الياء - أنه مثل
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] ( أي هو استعارة تهكمية والقرينة قوله في الغي كما أن القرينة في الآية الأخرى قوله بعذاب ) وقد علمت أن وقوع أحد الفعلين أكثر في أحد المعنيين لا يقتضي قصر إطلاقه على ما غلب إطلاقه فيه عند البلغاء وقراءة الجمهور
يَمُدُّونَهُمْ
- بفتح التحتية - تقتضي أن يعدى فعل
يَمُدُّونَهُمْ
إلى المفعول باللام ، يقال مد له إلا أنه كثرت تعديته بنفسه على نزع الخافض كقوله تعالى :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ
وقد تقدم في سورة البقرة [ 15 ] . والغي الضلال وقد تقدم آنفا . و ( في ) من قوله :
يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
على قراءة نافع وأبي جعفر استعارة تبعية بتشبيه الغي بمكان المحاربة ، وأما على قراءة الجمهور فالمعنى : وإخوانهم يمدون لهم في الغي من مد للبعير في الطول . أي يطيلون لهم الحبل في الغي ، تشبيها لحال أهل الغواية وازديادهم فيها بحال النعم المطال لها الطول في المرعى وهو الغي ، وهو تمثيل صالح لاعتبار تفريق التشبيه في