تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وإطلاق النزغ هنا على وسوسة الشيطان استعارة : شبه حدوث الوسوسة الشيطانية في النفس بنزغ الإبرة ونحوها في الجسم بجامع التأثير الخفي ، وشاعت هذه الاستعارة بعد نزول القرءان حتى صارت كالحقيقة . والمعنى أن ألقى إليك الشيطان ما يخالف هذا الأمر بأن سوّل لك الأخذ بالمعاقبة أو سوّل لك ترك أمرهم بالمعروف غضبا عليهم أو يأسا من هداهم ، فاستعذ باللّه منه ليدفع عنك حرجه ويشرح صدرك لمحبة العمل بما أمرت به . والاستعاذة مصدر طلب العوذ ، فالسين والتاء فيها للطلب ، والعوذ : الالتجاء إلى شيء يدفع مكروها عن الملتجئ ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ بالحرم ، وأعاذه إذا منعه من الضر الذي عاذ من أجله . فأمر اللّه بدفع وسوسة الشيطان بالعوذ باللّه ، والعوذ باللّه هو الالتجاء إليه بالدعاء بالعصمة ، أو استحضار ما حدده اللّه له من حدود الشريعة ، وهذا أمر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على الالتجاء إلى اللّه فيما عسر عليه ، فإن ذلك شكر على نعمة الرسالة والعصمة ، فإن العصمة من الذنوب حاصلة له ، ولكنه يشكر اللّه بإظهار الحاجة إليه لادامتها عليه ، وهذا مثل استغفار الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث « صحيح مسلم » « إنه ليغان على قلبي فاستغفر اللّه في اليوم أكثر من سبعين مرة » ، فالشيطان لا ييأس من إلقاء الوسوسة للأنبياء لأنها تنبعث عنه بطبعه ، وإنما يترصد لهم مواقع خفاء مقصده طمعا في زلة تصدر عن أحدهم ، وإن كان قد علم أنه لا يستطيع إغواءهم ، ولكنه لا يفارقه رجاء حملهم على التقصير في مراتبهم ، ولكنه إذا ما هم بالوسوسة شعروا بها فدفعوها ، ولذلك علم اللّه رسوله عليه الصلاة والسلام الاستعانة على دفعها باللّه تعالى . روى الدارقطني أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة - قالوا - وأنت يا رسول اللّه ، قال « وأنا ولكن اللّه أعانني عليه فأسلم » روي قوله : « فأسلم » بفتح الميم بصيغة الماضي والهمزة أصلية ، صار الشيطان المقارن له مسلما ، وهي خصوصية للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وروي بضم الميم بصيغة المضارع ، والهمزة للمتكلم : أي فأنا أسلم من وسوسته وأحسب أن سبب الاختلاف في الرواية أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم نطق به موقوفا عليه . وهذا الأمر شامل للمؤمنين وحظ المؤمنين منه أقوى لأن نزغ الشيطان إياهم أكثر ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم مؤيد بالعصمة فليس للشيطان عليه سبيل . وجملة :
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
في موقع العلة للأمر بالاستعاذة من الشيطان باللّه على ما
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 402 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور