السماء الدنيا
فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
( 1 ) أي الشرف والعظم
وَما أَدْراكَ
أعلمك يا محمد
ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ
( 2 ) تعظيم لشأنها وتعجيب منه
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
( 3 ) ليس فيها ليلة قدر ،
شرح
بالإنزال ؟ أجيب بجوابين ، الأول : أن الإنزال بمعنى الإيحاء ، وفي الكلام استعارة تبعية ، حيث شبه الإيحاء بالإنزال ، واستعير الإيحاء للإنزال ، واشتق من الإنزال أنزلناه بمعنى أوحينا . الثاني : إن إسناد النزول إليه مجاز عقلي ، وحقه أن يسند لحامله ، فالتجوز إما في الظرف أو الإسناد . قوله : ( أي القرآن ) أشار بذلك إلى أن الضمير فيأَنْزَلْناهُعائد على القرآن . إن قلت : إنه لم يتقدم له ذكر . أجيب : بأنه اتكل على عظم قدره وشهرة أمره ، حتى لا يحتاج للتصريح . قوله : ( جملة واحدة من اللوح المحفوظ ) الخ ، أي ثم نزل به جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نجوما مفرقة في مدة عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين سنة ، ومعنى إنزاله جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ؛ أن جبريل أملاه على ملائكة السماء الدنيا فكتبوه في صحف ، وكانت تلك الصحف في محل من تلك السماء يقال له بيت العزة . قوله : ( من سماء الدنيا ) أي بيت العزة منها ، وما ذكره المفسر ، من أن المراد إنزال القرآن جملة إلى سماء الدنيا ، أحد أقوال في تفسير الآية ، وقيل : المعنى ابتدأنا إنزاله على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الليلة . إن قلت : إن البعثة على رأس الأربعين وميلاده كان في ربيع ، فكيف يكون مبدأ الوحي في رمضان ليلة القدر ؟ أجيب : بأنه ألغى الكسر أو جبر أو ذلك ، بناء على أن ميلاده في رمضان ؛ وقد قيل به ، أو مبدأ الوحي المنام في ربيع ، ومبدأ إنزال القرآن في رمضان ، وحكمة إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، ثم إنزاله منها مفرقا ولم ينزله مفرقا من اللوح ، أن سماء الدنيا مشتركة بين العالم العلوي والسفلي ، فإنزاله إليها جملة فيها تعجيل لمسرته بنزول جميعه عليه ، وإنزاله منها مفرقا فيه تأنيس للقلوب ، وترويح للنفوس ، وتلطف به صلّى اللّه عليه وسلّم وبأمته ، فلم يفته نزوله جملة ولا مفرقا . قوله : ( الشرف والعظم ) هذا أحد أقوال ، وقيل :الْقَدْرِبمعنى تقدير الأمور ، أي إظهارها في دواوين الملإ الأعلى ، سميت بذلك لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره ، إلى مثلها من السنة القابلة ، من أمر الموت والأجل والرزق وغير ذلك ، ويسلمه إلى مدبرات الأمور ، وهم الأربعة الرؤساء : جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، وقولنا : أي إظهارها في دواوين الملأ الأعلى ، يدفع ما أورد أن تقدير الأمور أزلي ، فإن قلت : إن تقدير الأمور ليلة النصف من شعبان يجاب : بأن ابتداء التقدير ليلة النصف من شعبان وتسليمه للملائكة ليلة القدر ، وقيل : القدر بمعنى الضيق من قوله :فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُفَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِلضيق الفضاء بازدحام مواكب الملائكة فيها .
قوله :ما لَيْلَةُ الْقَدْرِأي ما مقدار شرفها ، وليس المراد ما حقيقتها ، فإنها مدة مخصوصة من الزمن . قوله : ( تعظيم لشأنها ) أي تفخيم لأمرها ، قال سفيان بن عيينة : إن كل ما في القرآن من قوله :وَما أَدْراكَأعلم اللّه به نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وما فيه ، وما يدريك لم يعلمه به ، والمراد إعلام اللّه تعالى في ذلك السياق نفسه ، فلا ينافي أنه عليه السّلام لم يخرج من الدنيا ، حتى أعلمه اللّه بكل ما خفي عنه مما يمكن البشر علمه ، وأما التسوية بين علم القديم والحادث فكفر .
قوله :خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍأي وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، واختلف في حكمة ذكر العدد ، فقيل : المقصود مطلق الكثرة ، وقيل : إنه ذكر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل من بني إسرائيل ، حمل السلاح على عاتقه في سبيل اللّه عزّ وجل ألف شهر ، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لذلك ، وتمنى ذلك لأمته فقال : يا رب