تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
من شعبان ، نزل فيها من أم الكتاب من السماء السابعة إلى السماء الدنيا
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
( 3 ) مخوّفين به
فِيها
أي في ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان
يُفْرَقُ
يفصل
كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
( 4 ) محكم من الأرزاق والآجال وغيرهما التي تكون في السنة إلى مثل تلك الليلة
أَمْراً
فرقا
شرح
هنا :إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍيجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان ، فثبت أنها ليلة القدر ، ومنها قوله تعالى في صفة ليلة القدر :تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍوقال هنافِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍوقال هنا :رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَوقال في ليلة القدر :سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِوإذا تقاربت الأوصاف ، وجب القول بأن احدى الليلتين هي الأخرى ، وهذه أدلة ظاهرة واضحة على أنها ليلة القدر وهو المعتمد ، وسميت ليلة القدر ، لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره ، إلى مثلها من السنة القابلة ، من أمر الموت والأجل والرزق ، ويسلم ذلك إلى مدبرات الأمور وهم : إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبريل عليهم السّلام ، وقيل : يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ ، من ليلة نصف من شعبان ، ويقع الفراغ في ليلة القدر ، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ، ونسخة الحروب إلى جبريل ، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا ، وهو ملك عظيم ، ونسخة المصائب إلى ملك الموت . قوله : ( أو ليلة النصف من شعبان ) هو قول عكرمة وطائفة ، ووجه بأمور منها أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء : الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الرحمة ، وليلة الصك . ومنها فضل العبادة فيها لما ورد : من صلى فيها مائة ركعة ، أرسل اللّه تعالى إليه مائة ملك ، ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا ، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان ، ومنها نزول الرحمة فيها لما في الحديث : « إن اللّه يرحم أمتي هذه الليلة ، بعدد شعر أغنام بني كلب » . ومنها حصول المغفرة فيها لما في الحديث : « إن اللّه يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة ، إلا الكاهن ، والساحر ، ومدمن الخمر ، وعاق والديه ، والمصر على الزنا » . ومنها أن اللّه تعالى أعطى رسول في تلك الليلة تمام الشفاعة في أمته ، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع ، إلا من شرد عن اللّه شرود البعير . قوله : ( نزل فيها ) أي جملة ، ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، أن جبريل أملاه منه على ملائكة سماء الدنيا ، فكتبوه في صحف وكانت عندهم في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة ، ثم نجمته الملائكة المذكورون على جبريل في عشرين سنة ، ينزل بها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحسب الوقائع والحوادث . قوله :إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَالمراد من كان الاستمرار والدوام ، أي شأننا وعادتنا الإنذار والتخويف ، وهذه الجملة علة للإنزال ، وكونه في ليل مباركة . والمعنى : إنما أنزلناه في ليلة مباركة ، لأن شأننا الإنذار ، وهذا القرآن عظيم أنزل في ليلة مباركة ، شأنه أن يخاف منه . قوله :فِيها يُفْرَقُهذه الجملة إما مستأنفة أو صفة لليلة ، وما بينهما اعتراض . قوله : ( يفصل ) أي يبين ويظهر للملائكة الموكلين بالتصرف . قوله : ( محكم ) أي مبرم لا تغيير فيه ولا تبديل . قوله : ( فرقا ) أشار بذلك إلى أنأَمْراًمنصوب على المصدرية بفعل ملاق له في المعنى : كقمت وقوفا ، وجلست قعودا ، ويصح أن يكون حالا من فاعلأَنْزَلْناهُوالتقدير أنزلناه حال كوننا آمرين ، أو من مفعوله والتقدير أنزلناه حال كونه مأمورا به ، ويصح أن يكون مفعولا لأجله وعامله أنزلناه ، والتقدير