جَنَّةُ الْمَأْوى
( 15 ) تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين
إِذْ
حين
يَغْشَى السِّدْرَةَ ما
شرح
إضافة الشيء إلى مكانه كقوله أشجار البستان ، أو من إضافة المحل إلى الحال كقولك كتاب الفقه ، والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم ، أو من إضافة ملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي سدرة المنتهى إليه وهو اللّه عز وجل . قال تعالى :وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهىاه كرخي .
وفي القرطبي : واختلف لم سميت سدرة المنتهى على ثمانية أقوال ، الأول : ما تقدم عن ابن مسعود أنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها . والثاني : أنه ينتهى علم الأنبياء إليها ويعزب علمهم عما وراءها قاله ابن عباس . الثالث : أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها قاله الضحاك . الرابع :
لانتهاء الملائكة إليها ووقوفهم عندها قاله كعب . الخامس : سميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها أرواح الشهداء قاله الربيع بن أنس . السادس : لأنه تنتهي إليها أرواح المؤمنين قاله قتادة . السابع : لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومنهاجه قاله علي رضي اللّه عنه ، والربيع بن أنس أيضا .
الثامن : هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ينتهي علم الخلائق قاله كعب أيضا .
قلت : يريد واللّه أعلم أن ارتفاعها وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوس حملة العرش دليله ما تقدم من أن أصلها في السماء السادسة وأعلاها في السماء السابعة ، ثم علت فوق ذلك حتى جاوزت رؤوس حملة العرش واللّه أعلم ، سميت بذلك لأن من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة . وقال الماوردي في معاني القرآن له : فإن قيل : لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجرة ؟ قيل : لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف ظل مديد وطعام لذيذ ورائحة ذكية ، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية ، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه ، وطعمها بمنزلة النية لكمونه ، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره . وروى أبو داود في سننه قال : حدثنا نصر بن علي قال : أنبأنا أبو أسامة ، عن ابن جريج ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن عبد اللّه بن حبشي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار » وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال : هذا الحديث مختصر . يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوب اللّه رأسه في النار اه .
قوله : ( أو المتقين ) هكذا في بعض النسخ والمعنى عليه أو التي تأوي إليها أرواح المتقين ، وفيه قصور لأن أرواح المؤمنين مطلقا تأوي إلى الجنة أي تنتهي وتسكنها ، وفي بعض النسخ المتقون بالواو ، والمعنى عليه أو التي يأوي إليها المتقون وفيه قصور أيضا ، وعبارة غيره التي وعد بها المتقون ، والأمر في ذلك سهل . وعبارة القرطبي : قال الحسن : هي التي يصير إليها المتقون ، وقيل : إنها جنة تصير إليها أرواح الشهداء قاله ابن عباس وهي عن يمين العرش ، وقيل : هي الجنة التي أوى إليها آدم عليه السّلام إلى أن أخرج منها ، وهي في السماء الرابعة ، وقيل : إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى ، وإنما قيل لها جنة المأوى لأنها يأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش يتنعمون بنعيمها ، وقيل : لأن جبريل وميكائيل عليهما السّلام يأويان إليها واللّه أعلم .
قوله :ما يَغْشىفي إبهام الموصول وصلته تعظيم وتكثير للغواشي التي تغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد أي أشياء لا يعلم وصفها إلا اللّه تعالى اه كرخي .