المقهورين فخرج من النار سالما
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
مهاجر إليه من دار الكفر
سَيَهْدِينِ
( 99 ) إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام ، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال
رَبِّ هَبْ لِي
ولدا
مِنَ الصَّالِحِينَ
( 100 )
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ
( 101 ) أي ذي حلم كثير
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
أي أن
شرح
وكفرح جحما وجحما وجحوما اضطرب ، والجاحم الجمر الشديد الاشتعال اه .
قوله :فَأَرادُوا بِهِ كَيْداًأي : شرا . قوله : ( المقهورين ) عبارة البيضاوي : الأسفلين الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شأنه حيث جعل النار عليه بردا وسلاما اه .
قوله :وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌمعطوف على ما قدره بقوله : ( فخرج الخ ) اه شيخنا .
وهذه الآية أصل في الهجرة وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السّلام ، وذلك حين خلصه اللّه من النار قال : إني ذاهب إلى ربي أي مهاجر من بلدة قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه سيهدين فيما نويت إلى الصواب . قال مقاتل : هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة وزوجته إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام ، وقيل : ذاهب بعملي وعبادتي وقلبي ونيتي ، فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن ، وقد مضى بيان هذا في الأنبياء مستوفى . وقيل : خرج إلى حران فأقام بها مدة ، ثم قيل : قال ذلك لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخا لهم ، وقيل : قاله لمن هاجر معه من أهله فيكون ذلك ترغيبا ، وقيل : قال ذلك قبل إلقائه في النار . وفيه على هذا القول تأويلان ، أحدهما : إني ذاهب إلى ما قضاه عليّ ربي . الثاني : إني ميت كما يقال لمن مات قد ذهب إلى اللّه تعالى ، لأنه عليه السّلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار على المعهود من حال النار في تلف ما يلقى فيها إلى أن قيل لها :كُونِي بَرْداً وَسَلاماً[ الأنبياء : 69 ] فحينئذ سلم إبراهيم منها . وفي قوله :سَيَهْدِينِعلى هذا القول تأويلان ، أحدهما : سيهدين إلى الخلاص منها . الثاني : سيهدين إلى الجنة اه قرطبي .
قوله :سَيَهْدِينِأي : إلى ما فيه صلاح ديني وإلى مقصدي وبت القول بذلك لسبق الوعد أو لفرط توكله أو للبناء على عادته تعالى معه ، ولم يكن كذلك حال موسى عليه السّلام حيث قال :عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ[ القصص : 22 ] ولذلك أتى بصيغة التوقع اه أبو السعود .
وفي الكرخي : قوله :سَيَهْدِينِأي : سيثبتني على هداي ويزيدني هدى ، وهذا يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من اللّه تعالى ، ولا يمكن حمله على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار ، لأن ذلك كان حاصلا في الزمان الماضي ، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله ، وأما قول موسىعَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِيفكان قبل النبوة ، وفي كلامه إشارة إلى أن سين الاستقبال للجزم بوقوع الفعل ، وفي المفصل أن سيفعل جواب لن يفعل ، وكانت العادة جارية على القطع في الإرشاد فحدث بذلك لقوله تعالى :وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[ الضحى : 11 ] فدلالة السين على التأكيد من جهة كونها في مقابلة لن . قال سيبويه : لن أفعل نفي سأفعل اه .
قوله : ( إلى حيث أمرني ربي ) أي : إلى مكان أمرني الخ وهذا متعلق بكل من ذاهب ويهدين كما تشير له عبارة البيضاوي ، وقوله : ( بالمصير إليه ) أي : إلى حيث وكذا ما بعده اه شيخنا .
قوله :مِنَ الصَّالِحِينَأي : بعض الصالحين ليعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة