كتابا صورته : من عبد اللّه سليمان بن داود ، إلى بلقيس ملكة سبأ ، بسم اللّه الرحمن الرحيم ، السّلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين . ثم طبعه بالمسك وختمه بخاتمه ، ثم قال للهدهد :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
أي بلقيس وقومها
ثُمَّ تَوَلَّ
انصرف
عَنْهُمْ
وقف قريبا منهم
فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ
( 28 ) يردّون من الجواب ، فأخذه وأتاها وحولها
شرح
أنها كانت تعرف غير العربي أيضا اه شيخنا .
قوله : ( ثم طبعه بالمسك ) أي : جعل عليه قطعة مسك كالشمع اه شيخنا .
قوله :فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْإنما قال إليهم بلفظ الجمع لأنه جعله جوابا لقول الهدهد : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه فكأنه قال : فألقه إلى الذين هذا دينهم اه خازن .
وقرأ أبو عمر ، وحمزة وأبو بكر بإسكان الهاء ، وقالون بكسرها فقط من غير صلة بلا خلاف عنه ، وهشام عنه وجهان : القصر والصلة ، والباقون بالصلة بلا خلاف ، وقد تقدم توجيه ذلك له في آل عمران والنساء وغيرهما عنديُؤَدِّهِ إِلَيْكَ[ آل عمران : 75 ] ونُوَلِّهِ ما تَوَلَّى[ النساء : 115 ] وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء موصولة بواو فألقوه إليهم ، وقد تقدم أن الضم الأصل اه سمين .
قوله :ما ذا يَرْجِعُونَإن جعلنا انظر بمعنى تأمل وتفكر كانت ما استفهامية وفيها حينئذ وجهان ، أحدهما : أن تجعل مع ذا بمنزلة اسم واحد ويكون مفعولا بيرجعون تقديره : أي شيء يرجعون . والثاني : أن تجعل ما مبتدأ وذا بمعنى الذي ، ويرجعون صلتها وعائدها محذوف تقديره : أي شيء يرجعونه وهذا الموصول هو خبر ما الاستفهامية ، وعلى التقديرين فالجملة الاستفهامية قد علق عنها العامل وهو انظر بالاستفهام فمحلها النصب على إسقاط الخافض أي : انظر في كذا وفكر فيه ، وإن جعلنا بمعنى انتظر من قوله انظرونا نقتبس من نوركم كانت ماذا بمعنى الذي ويرجون صلة والعائد مقدر كما مر تقريره ، وهذا الموصول مفعول به أي : انتظر الذي يرجعون اه سمين .
قوله : ( من الجواب ) بيان لما . وعبارة البيضاوي : ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول اه .
قوله : ( فأخذه ) أي : أخذ الهدهد الكتاب وأتاها الخ . وعبارة القرطبي : وقال مقاتل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها الجنود والعساكر فرفرف ساعة والناس ينظرون ، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها ، انتهت .
وفي الخازن : كالقرطبي أيضا : أن الهدهد أخذ الكتاب وأتى به إلى بلقيس وكانت بأرض مأرب من اليمن على ثلاث مراحل من صنعاء ، فوجدها نائمة مستلقية على قفاها وقد غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها وكذلك كانت تفعل إذا رقدت ، فألقى الكتاب على نحرها . وقيل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره ساعة والناس ينظرون فرفعت بلقيس رأسها فألقى الكتاب في حجرها . وقال وهب بن منبه : كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع فيها حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها ، فجاء الهدهد فسد الكوة بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم ، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة ، فما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه ، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد ،