تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
شرح
مكللا بالدر والياقوت ، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود والألنجوج ، وعمدت إلى حقة جعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزع معوجة الثقب ، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو ، وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب عقل ورأي ، وكتبت مع المنذر كتابا تذكر فيه الهدية وقالت : إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف ، وأخبرنا بما في الحقة قبل أن تفتحها ، وأثقب الدرة ثقبا مستويا ، وأدخل في الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا جن . وأمرت بلقيس الغلمان فقالت : إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء وأمرت الجواري أن يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال ثم قالت للرسول : انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظرا فيه غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه ، وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي فتفهم قوله ورد الجواب . فانطلق الرسول بالهداية وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر ، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنا من الذهب والفضة ففعلوا ، وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ وأن يفرش فيه لبن الذهب والفضة ، وأن يخلوا قدر تلك اللبنات التي معهم وأن يعملوا حول الميدان حائطا مشرفا من الذهب والفضة ففعلوا ، ثم قال سليمان : أي دواب البر والبحر أحسن ؟ فقالوا : يا نبي اللّه رأينا في بحر كذا دواب مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص . قال : عليّ بها فأتوه بها ، فقال : شدوها عن يمين الميدان وشماله ، وقال للجن : عليّ بأولادكم فاجتمع منهم خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان وشماله ، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع أربعة آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله ، وأمر الجن والإنس والشياطين والوحوش والسباع والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله ، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت إليهم أنفسهم ووضعوا ما معهم من الهدايا . وقيل : إن سليمان لما فرش الميدان بلبنات الذهب والفضة ترك من طريقهم موضعا على قدر ما معهم من اللبنات ، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا خافوا أن يتهموا بذلك فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع ، ولما نظروا إلى الشياطين هالهم ما رأوا وفزعوا ، فقالت لهم الشياطين : جوزوا لا بأس عليكم ، وكانوا يمرون على كراديس الإنس والجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان ، فأقبل عليهم بوجه طلق وتلقاهم متلقى حسنا وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه . وقال : أين الحقة ؟ فأتى بها فحركها فجاءه جبريل عليه الصلاة والسّلام فأخبره بما فيها فقال لهم : إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة . فقال الرسول : صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة ، فقال سليمان : من لي بثقبها وسأل الإنس والجن فلم يكن عندهم علم ذلك ، ثم سأل الشياطين فقالوا نرسل إلى الأرضة ، فلما جاءت الأرضة أخذت شعرة في فمها ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر ، فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟ فقالت : تصير رزقي في الشجرة فقال لها : لك وذلك ، ثم قال : من لهذه الخرزة ؟ فقالت دودة بيضاء : أنا لها يا نبي اللّه ، فأخذت الدودة خيطا في فمها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر ، فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟ قالت : يكون رزقي في الفواكه فقال : لك ذلك . ثم ميز بين الغلمان والجواري بأن أمرهم بأن يغسلوا وجوههم وأيديهم ، فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها ، والغلام يأخذ الماء