تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
تَفْتَؤُا
تزال
تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً
مشرفا على الهلاك لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ
( 85 ) الموتى
قالَ
لهم
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي
هو الحزن الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الناس
وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
لا إلى غيره فهو الذي تنفع
شرح
قوله :حَتَّى تَكُونَ حَرَضاًفي المصباح : حرض حرضا من باب تعب أشرف على الهلاك فهو حرض اه . قوله : ( يستوي فيه الواحد وغيره ) أي : المثنى والمجموع والمذكر والمؤنث . تقول : هو حرض وهما حرض وهم حرض وهنّ حرض اه كرخي . قوله :قالَ( لهم ) أي قال يعقوب لهم عندما رأى قولهم وغلظتهم عليهإِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ .أصل البث إثارة الشيء وتفريقه ، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر ، قال ابن قتيبة : البث أشد الحزن ، وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه كان هما ، وإذا ذكره لغيره كان بثا ، فالبث : أشد الحزن ، والحزن الهم ، فعلى هذا يكون المعنى إنما أشكو حزني العظيم وحزني القليل إلى اللّه لا إليكم . قال ابن الجوزي : روى الحاكم أبو عبد اللّه في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات يوم يا يعقوب : ما الذي أذهب بصرك ، وما الذي قوّس ظهرك ؟ قال : أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف ، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين ، فأتاه جبريل فقال له : يا يعقوب إن اللّه يقرئك السّلام ويقول لك : أما تستحي أن تشكو إلى غيري ، فقال :إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ،فقال جبريل : اللّه أعلم بما تشكو » . فإن قلت : هل في هذا ما يقدح في عصمة الأنبياء ؟ قلت : لا . وإنما عوتب يعقوب بهذا ، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وإنما يطلب من الأنبياء من الأعمال على قدر منصبهم وشريف رتبتهم ، ويعقوب عليه الصلاة والسّلام من أهل بيت النبوة والرسالة ، ومع ذلك قد ابتلي كل واحد من آبائه بمحنة فصبر ، فإبراهيم عليه الصلاة والسّلام حين ألقي في النار صبر ولم يشك إلى أحد ، وإسماعيل ابتلي بالذبح فصبر وفوض أمره إلى اللّه ، وإسحاق ابتلي بالعمى فصبر ولم يشك إلى أحد ، ويعقوب ابتلي بفقد ولده يوسف وبعده بنيامين ثم عمي بعد ذلك أو ضعف بصره من كثرة البكاء عليهما ، وهو مع ذلك صابر لم يشك إلى أحد شيئا مما نزل به ، وإنما كانت شكايته إلى اللّه بدليل قوله :إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ،فاستوجب بذلك المدح العظيم والثناء الجميل في الدنيا والدرجات العلى في الآخرة ، مع من سلف له من آبائه إبراهيم وإسحاق عليهما الصلاة والسّلام . وأما دمع العين وحزن القلب فلا يستوجب عتابا ولا عقوبة ، لأن ذلك ليس إلى اختيار الإنسان ، فلا يدخل تحت التكليف بدليل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكى على ولده إبراهيم عند موته وقال : « إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وما نقول إلا ما يرضي ربنا » فهذا القدر لا يقدر الإنسان على دفعه عن نفسه ، فصار مباحا لا حرج فيه على أحد من الناس اه خازن . قوله : ( حتى يبث ) تفريع على النفي أي : فيبث أي يذكر وينشر على الناس لعدم القدرة على كتمه
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 72 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي