من بكائه
مِنَ الْحُزْنِ
عليه
فَهُوَ كَظِيمٌ
( 84 ) مغموم مكروب لا يظهر كربه
قالُوا تَاللَّهِ
لا
شرح
بنيامين زاد حزنه عليه وجدد حزنه على يوسف ، لأن يوسف كان أصل المصيبة . وقد اعترض بعض الجهال على يعقوب في قوله :يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ،فقال : هذه شكاية وإظهار جزع فلا يليق بعلى منصبه ذلك ، وليس الأمر كما قال هذا الجاهل المعترض ، لأن يعقوب عليه الصلاة والسّلام شكا إلى اللّه لا منه ، فقوله :يا أَسَفى عَلى يُوسُفَمعناه يا رب ارحم أسفي على يوسف . وقيل : إن يعقوب لما عظمت مصيبته بلاؤه وقويت محنته قال : يا أسفى على يوسف أي أشكو إلى اللّه شدة أسفي على يوسف ، ولم يشك إلى أحد من الخلق بدليل قوله :إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِاه خازن .
فمعنى يا أسفى أشكو إلى اللّه أسفي اه .
قوله :وَابْيَضَّتْ عَيْناهُأي عمي من الحزن . قال مقاتل : لم يبصر شيئا ست سنين ، وقيل : إنه ضعف بصره من كثرة البكاء ، وذلك أن الدمع يكثر عند غلبة البكاء فتصير العين كأنها بيضاء من ذلك الماء الخارج منها اه خازن .
قوله : ( انمحق سوادهما ) ظاهر في أنه على حقيقته ، كم قيل ، والتزمه بعضهم بناء على جواز مثل هذا على الأنبياء بعد التبليغ . وقوله : ( من بكائه ) البكاء بالمد رفع الصوت ، وبالقصر نزول الدمع من غير صوت ، والمناسب هنا الثاني ، لكن الرسم لا يساعد عليه لثبوت ياء بعد الألف فيقتضي أنه ممدود إذ لو كان مقصورا لكان بعد الألف هاء فقط كما لا يخفى اه شيخنا .
وهذه التفرقة منقولة عن المختار وهي أحد قولين ، والقول الآخر الذي جرى عليه المصباح والقاموس أنه لا فرق بين الممدود والمقصور في أن كلّا يستعمل في رفع الصوت بالبكاء ، وفي سيلان الدمع من غير صوت تأمل . قوله :فَهُوَ كَظِيمٌأي مكظوم ممتلئ من الحزن ممسك عليه لا يبثه .
قال قتادة : هو الذي يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا اه .
وفي المصباح : كظمت الغيظ كظما من باب ضرب ، وكظوما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ ، وفي التنزيل :وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ[ آل عمران : 134 ] وربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ فأنا كظيم ومكظوم ، وكظم البعير كظوما لم يجتر اه .
قوله :قالُوا تَاللَّهِأي : قالوا ذلك تسلية له ، فإن قلت : كيف حلفوا على شيء لم يعلموا حقيقته ؟ قلت : بنوا ذلك على الأمر الأغلب الظاهر اه خازن .
وإنما قدر الشارح أداة النفي ، لأن القسم المثبت لا يجاب إلا بفعل مؤكد بالنون أو اللام أو بهما ، فلما رأينا الجواب هنا خاليا منهما علمنا أن القسم على النفي أي أنه جوابه منفي لا مثبت ، فلذلك قدر النفي ، ولذلك قال بعض الحنفية : لو قال واللّه أجيئك غدا كان المعنى على النفي فيحنث بالمجيء لا بعدمه اه شيخنا .
وعبارة البيضاوي : أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه ، فحذفت لا لأنه لا يلتبس بالإثبات ، فإن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي انتهت . أي : لأنه لو كان مثبتا كان باللام ونون التوكيد عند البصريين أو بأحدهما عند الكوفيين ، فلو قيل : واللّه أحبك كان المراد لا أحبك وهو من قبيل التورية اه زاده .