في سنبله فتأتي إليك الخلق ليمتاروا منك فقال : ومن لي بهذا ؟
قالَ
يوسف
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
أرض مصر
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
( 55 ) ذو حفظ وعلم بأمرها وقيل : كاتب حاسب
شرح
سودا ، فهذا ما رأيت أيها الملك ، ثم انتبهت مذعورا . فقال الملك : واللّه ما أخطأت فيها شيئا ، فما شأن هذه الرؤيا ، وإن كانت عجبا فما هي بأعجب مما سمعت منك ، وما ترى من تأويل رؤياي أيها الصديق ؟ قال يوسف عليه السّلام : أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة ، وتجعل ما يتحصل من ذلك الطعام الخزائن بقصبه وسنبله ، فإنه أبقى له ، فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب ، وتأمر الناس أن يرفعوا الخمس من زرعهم أيضا ، فيكفيك ذلك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، وتأتيك الخلق من سائر النواحي للميرة ، ويجتمع عندك من الكنوز والأموال ما لم يجتمع لأحد من قبلك . فقال الملك : ومن لي بهذا ، ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه ؟
فعند ذلك قال يوسف :اجْعَلْنِيالخ اه خازن .
وفي القرطبي : ومن لي بتدبير هذه الأمور ، ولو جمعت أهل مصر جميعا ما طاقوا ذلك ، ولم يكونوا فيه أمناء فقال يوسف عند ذلك :اجْعَلْنِيالخ اه .
قوله : ( في سنبله ) أي وقصبه أيضا اه خازن .
قوله : ( فقال ومن لي بهذا ) أي وأي شخص يتكفل لي بهذا الأمر ويعينني عليه .
قوله :قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِيعني على خزائن الطعام والأموال ، وأراد بالأرض أرض مصر . أي : اجعلني على خزائن أرضك التي تحت يدك ، وقال الربيع بن أنس : اجعلني على خزائن خراج مصر ودخلها إني حفيظ عليم . أي : حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها . وقيل : معناه إني حاسب كاتب ، وقيل : حفيظ لما استودعني ، عليم لما وليتني . وقيل : حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني . وقال الكلبي : حفيظ تقديره في السنين المخصبة للسنين المجدبة ، عليم بوقت الجوع حين يقع . فعند ذلك قال الملك : ومن أحق بذلك منك ، وولّاه ذلك .
روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرحم اللّه أخي يوسف لو لم يقلاجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِلاستعمله من ساعته ، ولكنه أخر ذلك سنة » .
فإن قلت : كيف طلب يوسف عليه الصلاة والسّلام الإمارة والولاية مع ما ورد من النهي عنهما من كراهة طلبهما ، لما صح من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وان أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها » أخرجاه في الصحيحين ؟ قلت : إنما يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها ، فإذا تعين عليه طلبها وجب ذلك عليه ولا كراهة فيه ، فأما يوسف عليه الصلاة والسّلام فكان واجبا عليه طلب الإمارة لأنه مرسل من اللّه والرسول أعلم بمصالح الأمة من غيره ، وإذا كان مكلفا برعاية المصالح ، ولا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة وجب عليه طلبها ، وقيل : إنه لما علم أنه سيحصل قحط وشدة إما بطريق الوحي من اللّه أو بغيره ، وربما أفضى ذلك إلى هلاك معظم الخلق وكان في طلب الإمارة إيصال الخير والراحة إلى المستحقين وجب عليه طلب الإمارة لهذا السبب .