تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
حسانا ودخل عليه
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ
له
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
( 54 ) ذو مكانة وأمانة على أمرنا فماذا ترى أن نفعل ؟ قال اجمع الطعام وازرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وادخر الطعام
شرح
قوله : ( ودخل عليه ) أي فسلم يوسف على الملك بالعربية ، فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له يوسف بالعبرانية فقال له : وما هذا اللسان أيضا ؟ قال يوسف : هذا لسان آبائي . وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا ، ولم يعرف هذين اللسانين ، وكان كلما تكلم بلسان أجابه يوسف به ، وزاد عليه بالعربية والعبرانية ، فأعجب الملك أمره مع صغر سنه ، إذ كان عمره يومئذ ثلاثين سنة ، فأجلسه إلى جنبه ، فذلك قوله تعالى :فَلَمَّا كَلَّمَهُأي كلم الملك يوسف ، لأن مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبدأ بالكلام فيها ، وإنما يبدأ به الملك اه خازن . وفي أبي السعود : والضمير المستكن في كلمه ليوسف والبارز للملك . أي : فلما كلمه يوسف إثر مجيئه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد قال :إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْناالخ اه . قوله :فَلَمَّا كَلَّمَهُمعطوف على ما قدره الشارح بقوله : ( فجاءه الرسول ) الخ وهو ثمان جمل قد اختصر الكلام بحذفها اه شيخنا . قوله :مَكِينٌ أَمِينٌيقال : اتخذ فلان عند فلان مكانة أي منزلة ، وهي الحالة التي يتمكن بها صاحبها مما يريد ، وقيل : المكانة المنزلة والجاه ، والمعنى قد عرفنا أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نسبت إليه ، ومكين كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا اه خازن . وفي المصباح : مكن فلان عند السلطان مكانة وزان ضخم ضخامة عظم عنده وارتفع ، فهو مكين ، ومكنته من الشيء جعلت له عليه سلطانا وقدرة ، فتمكن منه واستمكن قدر عليه وله مكنة أي قوة وشدة ، وأمكنته منه بالألف مثل مكنته وأمكنني الأمر سهل وتيسر اه . قوله : ( فماذا ترى أن نفعل قال اجمع الطعام الخ ) أي قال ذلك في سياق تعبير الرؤيا للملك مشافهة بعد التعبير السابق وهو في السجن ، فقد روي أن الملك قال ليوسف عليه السّلام : أحب أن أسمع تأويل رؤياي منك شفاها ، قال : نعم أيها الملك ، ورأيت سبع بقرات سمان شهب حسان غير عجاف كشف لك عنهن النيل ، فطلعن من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا ، فبينا أنت تنظر إليهن وقد أعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه ، فخرج من حمئه أي طينه الأسود سبع بقرات عجاف شعث غبر ملصقات البطون ليس لهن ضرع ولا أخلاف ، ولهن أنياب وأضراس ، وأكف كأكف الكلاب ، وخراطيم كخراطيم السباع ، فاختلطن بالسمان فافترسن السمان افتراس السبع ، فأكلن لحومهن ، ومزقن جلودهن ، وحطمن عظامهن ، ومشمشن مخهن ، فبينا أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ، ثم لم يظهر فيهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن . إذا سبع سنبلات خضر وسبع سنبلات أخر سود يابسات في منبت واحد ، عروقهن في الثرى والماء ، فبينا أنت تقول في نفسك أي شيء هذا هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد أصولهن في الثرى والماء ، إذ هبت الريح فردت أوراق اليابسات السود على الخضر المثمرات ، فاشتعلت فيهن النار فأحرقتهن فصرن