صَبْراً
( 82 ) يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين ونوعت العبارة في فأردت فأردنا فأراد ربك
وَيَسْئَلُونَكَ
أي اليهود
عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
اسمه الإسكندر ولم يكن
شرح
قوله : ( يقال اسطاع ) أصله استطاع فحذفت منه تاء الافتعال ، ومضارعه يسطيع وأصله يستطيع بوزن يستقيم فحذفت منه التاء أيضا اه شيخنا .
قوله : ( ونوعت العبارة الخ ) أي أن هذا التغاير في التعبير في المواضع الثلاثة لتنويع العبارة ، وهذا معنى قول غيره للتفنن وبعضهم أبدى حكمه في اختلاف التعبير وهي أن الأول لما كان إفسادا محضا عبر فيه بقوله : ( فأردت أدبا مع اللّه ) والثالث : لما كان إصلاحا محضا ونعمة من اللّه عبّر فيه بقوله : ( فأراد ربك ) والثاني : لما كان فيه نوع إفساد ونوع إصلاح عبّر فيه بقوله : ( فأردنا ) الخ اه شيخنا .
قوله :وَيَسْئَلُونَكَأي سؤال تعنت عن ذي القرنين أي الأكبر ، وهو ولي اللّه تعالى من أولاد سام بن نوح ، وكان ابن عجوز ليس لها غيره ، وكان أسود اللون ، وكان على شريعة إبراهيم الخليل ، فإنه أسلم على يديه ودعا له وأوصاه بوصايا ، وكان يطوف معه وكان الخضر وزيره فكان يسير معه على مقدمة جيشه ، وهذا بخلاف ذي القرنين الأصغر ، فإنه من ولد العيص بن إسحاق وكان كافرا عاش ألفا وستمائة سنة ، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة اه شيخنا .
وفي القرطبي : وقال وهب بن منبه : كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره ، وكان اسمه إسكندر فلما بلغ كان عبدا صالحا قال اللّه تعالى : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض ، وهم أمم مختلفة ألسنتهم وهم جميع الأرض وهم أصناف أمتان بينهما طول الأرض كلها ، وأمتان بينهما عرض الأرض كلها ، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج ، فأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض تحت الجنوب ويقال لها هاويل ، وأمة في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل ، وأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مطلع الشمس يقال لها منسك ، وأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك . فقال ذو القرنين : إلهي لقد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أناطقهم ، وكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس لي قوة ؟ فقال اللّه تعالى : سأظفرك بما حملتك أشرح لك صدرا فتسمع كل شيء وأثبت لك فهما فتفقه كل شيء ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحفظك الظلمة من ورائك . فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه ، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس لأنها كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك ، فوجد جنودا لا يحصيها إلا اللّه تعالى ، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا اللّه تعالى ، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة فكاثرهم بالظلمة فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد ، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى اللّه تعالى وإلى عبادته ، فمنهم من آمن به ، ومنهم من صدّ عنه فأدخل على الذين تولوا الظلمة فغشيتهم من كل مكان فدخلت في أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من كل مكان فتحيروا وهاجوا وأشفقوا أن يهلكوا فعجوا إلى اللّه بصوت