فحفظا بصلاحه في أنفسهما ومالهما
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
أي إيناس رشدهما
وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
مفعول له عامله أراد
وَما فَعَلْتُهُ
أي ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار
عَنْ أَمْرِي
أي اختياري بل بأمر إلهام من اللّه
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ
شرح
الظاهر من اسم الكنز ، وهو في اللغة المال المجموع ، وقال ابن عباس : كان علما في صحف مدفونة ، وعنه أيضا قال : كان لوحا من ذهب مكتوب في أحد جانبيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . وفي الجانب الآخر مكتوب : أنا اللّه لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر ، فطوبي لمن خلقته للخير وأجريته على يدي ، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه اه من القرطبي والخازن .
قوله :وَكانَ أَبُوهُما صالِحاًظاهر اللفظ أنه أبوهما حقيقة ، وقيل : هو الأب السابع قاله جعفر ابن محمد ، وقيل : العاشر فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح ، وكان يسمى كاشحا قاله مقاتل ، واسم أمهما دنيا ذكره النقاش ففيه ما يدل على أن اللّه يحفظ الصالح في نفسه ، وفي ولده وأن بعدوا عنه . وقد روي أن اللّه يحفظ الصالح في سبعة من ذريته ، وعلى هذا يدل قوله تعالى إن ولي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين اه قرطبي .
قوله :أَشُدَّهُمامفرد بمعنى القوة . وقيل : جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل : جمع له واحد من لفظه . قيل : شد بكسر الشين ، وقيل : شد بفتحها اه شيخنا .
وذكره الإيناس غير لائق هنا لأنه بمعنى العلم ، فالمعنى عليه حتى يبلغا علم رشدهما ولا معنى له فكان الأولى اسقاطه ، ولم يذكره غيره من المفسرين فيما علمت ، ويمكن أن يلتمس تصحيحه بأن يقال حتى يبلغا إيناس أشدهما أي حتى يبلغا أن يعلما إيناس أشدهما أي قوتهما وكمالهما تأمل .
قوله :وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُماأي من تحت الجدار ولولا أني أقمته لانقض ، وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع بالكلية اه أبو السعود .
قوله : ( أي اختياري ) عبارة غيره : أي عن رأيي واجتهادي اه .
وهي أنسب بقوله : ( بل بأمر إلهام ) الخ . وعبارة الخازن : وما فعلته عن أمري أي عن اختياري ورأيي ، بل فعلته بأمر اللّه وإلهامه إياي لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أحوالهم لا يكون ذلك إلا بالنص وأمر اللّه تعالى ، واستدل بعضهم بقوله تعالى :وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِيعلى أن الخضر كان نبيا لأن هذا يدل على الوحي وذلك للأنبياء ، والصحيح أنه ولي للّه وليس بنبي . وأجيب عن قوله :وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِيبأنه إلهام من اللّه تعالى له بذلك وهذه درجة الأولياء ، وقيل : معناه إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن تظهر رحمة اللّه لأنها بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى اه .
قوله :ذلِكَأي ما ذكره من الأجوبة الثلاثة تأويل ما أي تأويل الأمور والوقائع الثلاثة اه شيخنا .