تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
قال تعالى
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
بقراءتك فيها فيسمعك المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله
وَلا تُخافِتْ
تسر
بِها
لينتفع أصحابك
وَابْتَغِ
اقصد
بَيْنَ ذلِكَ
الجهر والمخافتة
شرح
رشدا من باب تعب ، ورشد يرشد من باب قتل فهو راشد ، والاسم الرشاد والرشد اه . وحظ العبد منه أن يهدي إلى الصواب من مقاصده في دينه ودنياه . ( الصبور ) هذا والذي قبله غير واردين في القرآن لكنهما مجمع عليهما وهو فعول من الصبر ، وهو في اللغة حبس النفس وتوطينها على المكاره والمشاق ، واستعير لمطلق التأني في الفعل ، وحقيقته ممتنعة عليه تعالى ، فيحمل في حقه تعالى على تأخير العقوبة إلى الأجل المعلوم . قال تعالى :وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ[ هود : 104 ] فمعناه الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين ، وقيل : هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه ، وهو أعم من الأول ، وقيل : هو الذي لا تحزنه كثرة المعاصي حتى تؤديه إلى تعجيل العقوبة ، وقيل : الذي إذا قابلته بالجفاء قابلك بالعطية والوفاء ، وإذا أعرضت عنه بالعصيان أقبل عليك بالغفران . والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور يشعر بأنه يعاقب في الآخرة بخلاف الحليم . قال بعض العارفين : الصبر أربعة أنواع : صبر على الطاعة ، وصبر على المعصية وهما أساس طريق الاستقامة ، وصبر عن فضول الدنيا وهو أساس الزهد ، وصبر على المصائب والمحن وهو أساس الرضا والتسليم للّه سبحانه وتعالى وحسن الظن به وهو أشق الأنواع على النفس . وحظ العبد من هذا الاسم الصبر على هذه الأنواع الأربعة والمداومة على ذلك . وقال أبو بكر الوراق رحمه اللّه تعالى : احفظ الصدق فيما بينك وبين اللّه ، والرفق فيما بينك وبين الخلق ، والصبر فيما بينك وبين نفسك ، فهذا هو الذي يفيد النجاة ، واللّه أعلم بمعاني أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، ومن أراد الاستقصاء فعليه بمثل المقصد الأسنى من المبسوطات ، وإنما ذكرت هذه النبذة لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله . قوله : ( رواه الترمذي ) أي في جامعه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . قوله :وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَالخ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مختف بمكة ، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ، فقال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَأي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم ، وابتغ بين ذلك سبيلا زاد في رواية أي أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن ، وقيل : نزلت في الدعاء وهو قول عائشة وجماعة اه خازن . قوله :وَلا تُخافِتْ بِهايقال : خفت الصوت من بابي ضرب وجلس إذا سكن ويعدى بالباء فيقال : خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه ، وخافت بقراءته مخافته إذا لم يرفع صوته بها ، وخفت الزرع ونحوه مات فهو خافت اه مصباح ومختار . وفي السمين : والمخافته المسارة بحيث لا يسمع الكلام وضربته حتى خفت أي لم يسمع له صوت اه . قوله : ( لينتفع أصحابك ) علة النهي عن المخافتة .