تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
شرح
عن الخلق ، وقال أبو زيد رحمه اللّه تعالى : حسبك من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصرا غيره ، ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره . ( الواجد ) هذا الاسم غير موجود في القرآن ، لكنه مجمع عليه ومعناه الغني ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لي الواجد ظلم أي مطل الغني ظلم » يقال : وجد فلان وجدا وجدة إذا استغنى ويرجع حاصله إلى قدرته على تنفيذ المرادات ، وقيل : الواجد مأخوذ من الوجدان بمعنى العلم وجدت فلانا فقيها أي علمت كونه كذلك ، ويقال : وجدت طعم الشيء إذا أدركته . قال تعالى :وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ[ النور : 39 ] أي علمه فعلى هذا يكون الواجد بمعنى العالم ، وقيل : هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده ولا يعوزه شيء من ذلك أي : لا يعجز ولا يتعسر عليه . وحظ العبد منه أن يكون غنيا عما سواه به . ( الماجد ) بمعنى المجيد وهو المذكور في القرآن إلا أن في المجيد مبالغة ليست في الماجد ، وقد عرف معناه ، وحظ العبد منه ما مرّ في المجيد . ( الواحد ) وهو المنفرد بالذات لا شريك له . ( الأحد ) المنفرد بالصفات لا مشارك له ، واعلم أن في جامع الأصول ثبوت لفظ الأحد بعد الواحد ، وليس الأحد ثابتا في جامع الترمذي ، فكان حق الشيخ أن لا يذكره كما هو ساقط في بعض النسخ ، لأنه نسب الحديث إلى الترمذي ، وأيضا بدونه يصح العدد اللهم إلا أن يعدا اسما واحدا وعلى كل حال فمعناهما أنه تعالى واحد من حيث إنه منزه عن التركيب والمقادير لا يقبل التجزئة والانقسام واحد من حيث إنه متعال عن أن يكون له مثل ، فيتطرق إلى ذاته التعدد والاشتراك . وقيل : معناهما المنفرد بإيجاد المعدومات المتوحد بإظهار الخفيات ، واعلم أن الواحد والأحد كالرحمن والرحيم ، فالرحمن قد اختص به اللّه لا يشاركه فيه غيره ، والرحيم قد تحصل فيه المشاركة ، فكذلك الأحد قد اختص به البارىء سبحانه ، والواحد قد تحصل فيه المشاركة ، ولهذا السبب لم يذكر اللّه تعالى لام التعريف في أحد ، بل قال قل هو اللّه أحد ، وذلك لأنه صار نعتا للّه على الخصوص ، فصار معرفة فاستغنى عن التعريف . وحظ العبد منهما التحقق بمقام التوحيد ، وظاهره معلوم ، وحقيقة تحقيقه مما تضيق عنه العبارة وتقصر دونه الإشارة . ( الصمد ) هو السيد الحكيم أو الذي يصمد إليه أي يقصد في الحوائج ، أو الذي يحتاج إليه كل أحد ، وهو يستغني عن كل أحد أو لمنزه عن كل عيب المطلع على كل غيب ، أو الذي لا يأكل ولا يشرب ، وهذه المعاني كلها متحققة في اللّه تعالى . وحظ العبد منه أن يقصد الناس فيما يعرض لهم من مهمات دينهم ودنياهم ليقضيها لهم ، وأن يتقلل من الطعام والشراب لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه » . ( القادر المقتدر ) معناهما ذو القدرة ، ولكن المقتدر أكثر مبالغة لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب ، فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالى حقيقة ، لكنه يفيد المعنى مبالغة ، ومن حقهما أن لا يوصف بهما مطلقا غير اللّه تعالى ، فإنه القادر بالذات ، والمقتدر على جميع الممكنات ، وما عداه ليس كذلك . وحظ العبد منهما التبرؤ من الحول والقوة إلا به إياك نعبد وإياك نستعين ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 373 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي