تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
شرح
( الكبير ) معناه ذو الكبرياء ، وقيل : معناه الذي فاق مدح المادحين ونعت الناعتين ، وقيل : معناه الكبير عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول ، وحظ العبد منه أن يجتهد في تكميل نفسه علما وعملا بحيث يتعدى كماله إلى غيره ويقتدي بآثاره ويقتبس من أنواره . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « جالس العلماء وصاحب الحكماء وخالط الكبراء » قال المحققون : العلماء ثلاثة أقسام العلماء بأحكام اللّه فقط ، وهم العلماء وأصحاب الفتوى والعلماء بذات اللّه فقط وهم الحكماء ، والعلماء بالقسمين وهم الكبراء ، فالقسم الأول حالهم كالسراج يحترق في نفسه ويضيء غيره ، والقسم الثاني حالهم أكمل من الأول لأنهم أشرقت قلوبهم بمعرفة اللّه وأشرقت أسرارهم بأنوار جلال اللّه إلا أنه كالكنز المخفي تحت التراب لا يصل أثره إلى غيره ، والقسم الثالث أشرف الأقسام كلها فإنه كالشمس التي تضيء للعالم لأنه تام وفوق التمام . ( الحفيظ ) مبالغة في حافظ وله معنيان ، أحدهما : من الحفظ ضد السهو والنسيان فيرجع في حقه تعالى إلى دوام علمه . ثانيهما : من الحفظ بمعنى الحراسة ، وهو ظاهر قوله تعالى :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[ الحجر : 9 ] وقيل : معناه الذي صانك في حال المحنة عن الشكوى ، وفي حال النعمة عن البلوى ، وقيل : هو الذي حفظ سرك عن ملاحظة الأغيار وصان ظاهرك عن موافقة الفجار . وقيل : الحافظ أولياءه عن اقتحام الزلات . وحظ العبد منه المحافظة على أوقاته ، وأن يكون في كل وقت مشغولا بما هو أولى به ، والسعي في صيانة كل مسلم بحسب الطاقة والقدرة . قال بعضهم : ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ اللّه عليه قلبه ، وما من عبد حفظ اللّه عليه قلبه إلا جعله على عباده حفيظا . ( المقيت ) أي المقتدر فيرجع لمعنى القادر ، ونقل الأزهري أن ثلاثة أحرف في كتاب اللّه تعالى نزلت بلغة قريش خاصة وهي قوله :فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ[ الإسراء : 51 ] أي يحركونها وقوله :فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ[ الأنفال : 57 ] أي : نكل بهم من وراءهم وقوله :وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً[ النساء : 85 ] أي مقتدرا . وقيل : معناه من شاهد النجوى ، فأجاب وعلم البلوى فكشف واستجاب ، وقيل هو المتكفل بأرزاق العباد فيرجع إلى القدرة أو الفعل بمعنى أنه يعطي الأقوات . وحظ العبد منه قهر النفس وإطعام الطعام وإرشاد الغافل ، واعلم أن أحوال الأقوات والمقتاتين مختلفة ، فمنهم من جعل اللّه قوته المطعومات ، ومنهم من جعل قوته الذكر والطاعات ، ومنهم من جعل قوته المكاشفات والمشاهدات فقال تعالى في حق القسم الأول :خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاًوسئل بعضهم عن القوت فقال : ذكر الحي الذي لا يموت وهو صفة الفريق الثاني ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » وهو صفة القسم الثالث ، وروي المغيث بالغين المعجمة وبالمثلثة بدل المقيت بالقاف والتاء الفوقية . ( الحسيب ) هو فعيل بمعنى فاعل ومعناه الكافي وهذا الوصف لا يليق على وجه الحقيقة إلا باللّه تعالى ، فإن كل كفاية إنما هي حاصلة منه تعالى ، وقيل : هو الذي يعد عليك أنفاسك ويصرف عنك بفضله بأسك ، وقيل : معناه الشريف بمعنى أنه مختص بشرف الألوهية وكل كمال . وحظ العبد منه أن