تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
لأنه ليس بلغتكم
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 44 ) حيث لم يعاجلكم بالعقوبة
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
( 45 ) أي ساترا لك عنهم فلا يرونك ، نزل فيمن أراد الفتك
شرح
قوله الجلال ، لأنه ليس بلغتكم الصريح في أنه بلغة أخرى ، وذهب بعضهم إلى التفصيل ، وهو أن تسبيح العقلاء بلسان المقال ، وتسبيح غيرهم من الحيوان والجماد بلسان الحال حيث تدل تلك المخلوقات على الصانع وقدرته ولطيف حكمته ، فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح اه . فإن قلت : يمنع من شموله الثاني قوله :وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْلأنه مفقوه لنا ؟ فالجواب : أن الخطاب فيه للكفار ، وهم لا يفقهوا تسبيح الموجودات ، لأنهم أثبتوا للّه شركاء وزوجا وولدا ، بل هم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد اه كرخي . قوله : ( لأنه ليس بلغتكم ) أي بل بلغات لا تفهمونها أي : ولأنكم محجوبون عن سماعها . وهذا يقتضي أن تسبيح الجماد بلسان المقال ، وهو الذي اختاره الخازن وأثبته بأحاديث متعددة وهو قريب جدا اه شيخنا . قوله : ( حيث لم يعاجلكم بالعقوبة ) أي على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم ، ولذا كان غفورا لمن تاب اه . قوله :وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَأي مطلقا أو ثلاث آيات مشهورات من النحل والكهف والجاثية ، وهي في سورة النحل :أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ[ النحل : 108 ] وفي سورة الكهفوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ[ الأنعام : 25 والإسراء : 46 ] وفي حم الجاثيةأَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ[ الجاثية : 23 ] الآية فكان اللّه تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون المشركين اه من الخطيب . وفي القرطبي : قلت : ويزاد إلى هذه الآيات أول سورة يس إلى قوله :فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ[ يس : 9 ] فإن في السيرة في هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومقام علي رضي اللّه عنه في فراشه قال : وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ حفنة من تراب في يده ، وأخذ اللّه على أبصارهم عنه فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من :يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ يس : 1 ] إلى قوله :وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ[ يس : 9 ] حتى فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن ينصرف اه . قوله :وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِوهم المنكرون للبعث . اه . قوله : ( أي ساترا لك ) أي فاسم المفعول بمعنى اسم الفاعل . قوله : ( فيمن أراد الفتك ) كأبي جهل ، وأم جميل زوجة أبي لهب ، والفتك : بتثليث الفاء أي القتل على غرة أي غفلة اه شيخنا . وفي المصباح : فتكت به فتكا من بابي ضرب وقتل ، وبعضهم يقول فتكا مثلث الفاء بطشت به أو قتلته على غفلة وأفتكت به بالألف لغة اه . قوله : ( فلا يرونك ) هذا بالنسبة لبعضهم كان يحجب بصره عن رؤية النبي إذا أراده بمكروه ، وهو