تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
( 105 ) والتأكيد بالتكرار وإن وغيرهما رد لقوهم إنما أنت مفتر
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
على التلفظ بالكفر فتلفظ به
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
ومن مبتدأ أو شرطية والخبر أو الجواب لهم وعيد شديد دل على هذا
وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ
شرح
اسمية الجملة وضمير الفصل وتعريف الطرفين اه شيخنا . قوله : ( والتأكيد ) مبتدأ ، وقوله ( رد الخ ) خبر . قوله :كَفَرَأي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعلا مكفرا سواء كان مختارا في ذلك أو مكرها عليه فالاستثناء متصل اه شيخنا . وفي الخازن : نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر ، وذلك أن الكفار أخذوه وأباه وهو ياسر وأمه ، وهي سمية ، وأخذوا أيضا صهيبا وبلالا وخبابا فعذبوهم ليرجعوا عن الإيمان . فأما سمية أم عمار فربطوها بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في فرجها فماتت ، وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الإسلام . وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرها فإنهم قالوا له : اكفر بمحمد فبايعهم على ذلك وقلبه كاره ، فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن عمارا كفر ، فقال : كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى مقدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه . فأتى عمار وهو يبكي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما وراءك ؟ » قال : شر يا رسول اللّه نلت منك وذكرت ، فقال : « كيف وجدت قلبك ؟ » قال : مطمئن بالإيمان ، فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح عينيه ، وقال : « إن عادوا لك فقل لهم ما قلت » فنزلت هذه الآية . قال العلماء : أول من أظهر الإسلام سبعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر ، وخباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمار ، وأبو ياسر وأمه سمية ، فأما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمنعه اللّه من أذى المشركين بعمه أبي طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه وعشيرته ، وأخذ الآخرون وألبسوا أدراع الحديد ، وأجلسوهم في حر الشمس بمكة ، وأما بلال فكانوا يعذبونه وهو يقوله : أحد أحد ، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه . وقتل ياسر وسمية وقال خباب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلّا ودك ظهري اه . وفيما فعله عمار دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه ، وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبوه ، ولما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول اللّه ، قال : ما تقول فيّ : قال : أنت أيضا فخلاه ، وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول اللّه . قال : ما تقول فيّ ؟ قال : أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أما الأول فقد أخذ برخصة اللّه ، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له » اه بيضاوي . قوله : ( على التلفظ بالكفر ) أي أو على الفعل المكفر . قوله : ( والخبر أو الجواب الخ ) كان الأولى تقدير هذا قبل الاستثناء لأنه هو المستثنى منه . وعبارة السمين : في هذا الاستثناء أوجه إلى أن قال الثاني أنه مستثنى من جواب الشرط ، أو من خبر المبتدأ المقدر تقديره فعليهم غضب من اللّه إلا من أكره ، ولذلك قدر الزمخشري جزاء الشرط قبل الاستثناء وهو استثناء متصل ، لأن الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد كالمكره ، وقد يكون والعياذ باللّه اعتقادا فاستثنى الصنف الأول اه . قوله : ( لهم وعيد ) كان الأولى أن يقدره بالفاء ، فيقول : فلهم وعيد شديد ، لأن الجملة الاسمية