منهم
وَهُمْ
أي الظلال
داخِرُونَ
( 48 ) صاغرون ، نزلوا منزلة العقلاء
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما
شرح
قوله : ( أي عن جانبيهما أول النهار وآخره ) أشار إلى أن عن اسم بمعنى جانب ، فعلى هذا ينتصب على الظرف ، ويجوز أن يتعلق بتتفيأ ، ومعناها المجاوزة أي تتجاوز الظلال عن اليمين إلى الشمال ، أو بمحذوف على أنها حال من ظلاله . وفي ذلك سؤال كيف أفرد الأول وجمع الثاني ؟ أجيب بأجوبة .
أحدها : أن الابتداء يقع من اليمين وهو شيء واحد فلذلك وحد اليمين ثم ينتقص شيئا فشيئا وحالا بعد حال فهو بمعنى الجمع ، فصدق على كل حال لفظة الشمائل ، فتعدد بتعدد الحالات ، وإلى قريب منه أبو البقاء .
والثاني : قال الزمخشري : واليمين بمعنى الأيمان يعني أنه مفرد قائم مقام الجمع وحينئذ فهما في المعنى جمعان ، كقوله :وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[ القمر : 45 ] أي الأدبار .
الثالث : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال ، وإذا جمع ذهب إلى كلها ، لأن قوله ما خلق اللّه من شيء لفظه واحد ، ومعناه الجمع ، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد ، كقوله تعالى :وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ[ الأنعام : 1 ] وقوله :خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ[ البقرة : 7 ] اه كرخي .
قوله : ( أي عن جانبيهما ) هكذا في بعض النسخ بالتثنية وهو ظاهر ، والضمير لليمين وللشمائل ، والجانب الجهة ، فأشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف أي عن جهة اليمين وجهة الشمائل ، وفي بعض النسخ عن جانبيها بصيغة الجمع ، وكأنه اعتبر تعدد الشمائل مع اليمين ، فيكون المجموع جمعا . وقوله : ( أول النهار وآخره ) لف ونشر مرتب ، فأول النهار راجع لجهة اليمين وآخره لجهة الشمائل تأمل . قوله :سُجَّداً لِلَّهِحال من ظلاله وسجدا جمع ساجد كشاهد وشهد ، وراكع وركع اه سمين .
قوله :وَهُمْ داخِرُونَحال من الضمير المستتر في سجدا فهي حال متداخلة اه كرخي .
قوله : ( نزلوا ) أي في التعبير عنهم بصيغة جمع العقلاء وهم صاغرون اه .
وفي الخازن : فإن قلت : الظلال ليست من العقلاء فكيف عبر عنها بلفظ من يعقل ، وأجاز جمعها بالواو والنون ؟ قلت لما وصفها اللّه تعالى بالطاعة والانقياد لأمره ، وذلك صفة من يعقل عبّر عنها بلفظ من يعقل ؟ وجاز جمعها بالواو والنون وهو جمع العقلاء اه .
قوله :وَلِلَّهِ يَسْجُدُقال العلماء : السجود على نوعين : سجود طاعة وعبادة كسجود المسلم للّه عز وجل ، وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال . فقوله :وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِيحتمل النوعين . لأن سجود كل شيء بحسبه ، فسجود المسلمين والملائكة للّه سجود عبادة وطاعة ، وسجود غيرهم سجود خضوع ، وأتى بلفظة ما في قوله :ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِللتغليب ، لأن ما لا يعقل أكثر ممن يعقل في العدد والحكم للأغلب ، كتغليب المذكر على المؤنث ، ولأنه لو أتى بمن التي هي للعقلاء لم يكن فيها دلالة على التغليب ، بل كانت متناولة للعقلاء خاصة ، فأتى بلفظة ما لتشمل الكل ، ولفظ الدابة مشتق من الدب ، وهو عبارة عن الحركة الجسمانية ، فإن دابة