حفيظ
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
أي لا تراه وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
وحديث الشيخين « إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » وقيل المراد لا تحيط به
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أو
شرح
قوله :وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍمعطوف على جملةذلِكُمُالخ وقوله :وَكِيلٌأي متولي جميع أمور خلقه الذين أنتم من جملتهم ففوضوا أموركم إليه وأقصروا عبادتكم عليه اه أبو السعود .
قوله :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُجمع بصر وهو حاسة النظر أي القوة الباصرة ، وقد يقال للعين من حيث إنها محلها أي الحاسة اه بيضاوي .
قوله : ( وهذا ) أي النفي المذكور مخصوص أي مقصور على زمن الدنيا . ووله : ( لرؤية المؤمنين ) علة للتخصيص الذي هو القصر أي لثبوت رؤية المؤمنين الخ . وقوله : ( مخصوص ) يقتضي أنه عام وهو كذلك ، لأن حكم الفعل المنفي من قبيل العام كما هو مقرر في الأصول اه شيخنا .
قوله : ( لقوله تعالى الخ ) تعليل للعلة . قوله : ( وقيل المراد لا تحيط به ) أي وعلى هذا القيل يكون العموم على إطلاقه فلا يحيط به بصر أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة لعدم انحصاره اه شيخنا .
وفي الخازن : قال جمهور المفسرين : معنى الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته ، والأبصار ترى الباري جل جلاله ولا تحيط به ، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به ، وقال سعيد بن المسيب في تفسير قوله :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ: تحيط به الأبصار . وقال ابن عباس : كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به ، وقد تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة ، وقالوا : إن اللّه تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه ، وإن رؤيته مستحيلة عقلا لأن اللّه أخبر أن الأبصار لا تدركه ، وإدراك البصر عبارة عن الرؤية ، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُبمعنى لا تراه الأبصار ، وهذا يفيد العموم . ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة ، وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة والإجماع من الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة . قال اللّه تبارك وتعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[ القيامة :
22 ] ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة ، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث اه .
قوله أيضا : ( وقيل المراد لا تحيط به ) أي فالمنفي إنما هو الإحاطة به تعالى والشمول لا أصل الرؤية ، وخرج بالبصر رؤية القلب التي هي عبارة عن أمر يخلقه اللّه تعالى في القلب في المنام ، وهو الرؤيا ، أو عن دوام استحضار صفاته تعالى بصفات الجلال ونعوت الإكرام ، وهو المسمى عند الصوفية بمقام الشهود اه كرخي .
قوله :وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَفيه تفسيران على أسلوب لا تدركه الأبصار ، الأول قوله : ( أي يراها ) ، والثاني : قوله : ( أو يحيط بها علما ) اه شيخنا .