شرح
عطفا للدليل على مدلوله فيكون قولهوَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَمعترضا كما تقدم ، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قولهوَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ .قال ابن عطية : الفاء في قوله لماجَنَّرابطة جملة ما بعدها بما قبلها وهي ترجح أن المراد بالملكوت ما فصل في هذه الآية والأول أحسن وإليه نحا الزمخشري ،جَنَّستر وقد تقدم اشتقاق هذه المادة عند ذكر الجنة ، وهنا خصوصية لذلك الفعل المسند إلى الليل يقال جنّ عليه الليل وأجنّ عليه بمعنى أظلم فيستعمل قاصرا ، وجنه وأجنه فيستعمل متعديا ، فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل لزوما وتعديا ، إلا أن الأجود في الاستعمال جنّ عليه الليل وأجنه الليل فيكون الثلاثي لازما والرباعي منعديا اه سمين .
ذكر القصة في ذلك قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار والسير : ولد إبراهيم عليه السّلام في زمن نمروذ بن كنعان الملك ، وكان نمروذ أول من وضع التاج رأسه ودعا الناس إلى عبادته ، وكان له كهان ومنجمون ، فقالوا له : إنما يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه . ويقال : إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء . وقال السدي : رأى نمروذ في منامه كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ، ففزع من ذلك فزعا شديدا ، فدعا السحرة والكهان وسألهم عن ذلك ، فقالوا : هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاكك وزول ملكك وهلاك أهل دينك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في ناحيته ، وأمر بعزل النساء عن الرجال وجعل على كل عشرة رجلا يحفظهم ، فإذا حاضت المرأة خلوا بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض ، فإذا طهرت من الحيض حالوا بينهما ، قالوا : فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم . وقال محمد بن إسحاق : بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت صغيرة لم يعرف الحبل في بطنها . وقال السدي : فخرج نمروذ بالرجال إلى العسكر وعزلهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود فمكث بذلك ما شاء اللّه ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر ، فبعث إليه فأحضر إلى عنده وقال له : إن لي إليك حاجة أحب أن أوصيك بها ، ولم أبعثك فيها إلا لثقتي بك فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك . فقال آزر : أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة الملك ثم قال : لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم ، فلما دخل على أم إبراهيم ونظر إليها فلم يتمالك حتى واقعها فحملت من ساعتها بإبراهيم . قال ابن عباس : لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمروذ : إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة ، فأمر نمروذ بذبح الغلمان . فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها الطلق خرجت هاربة مخافة أن يطلع فيها فيقتل ولدها .
قالوا : فوضعت في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ثم رجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع كذا ، فانطلق إليه أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سريا في النهر فواراه فيه وسد بابه بصخرة مخافة السباع ، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه . وقال محمد بن إسحاق : لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها فوضعت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ، ثم سدت عليه باب المغارة ، ثم رجعت إلى بيتها وكانت تختلف إليه لتنظر ما فعل فتجده حيا وهو يمص إبهامه . قال أبو روق : قالت أم إبراهيم : لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص