تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
شرح
من أصبع ماء ومن أصبع لبنا ومن أصبع سمنا ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا . وقال ابن إسحاق : كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل ، فقالت : ولدت غلاما فمات فصدقها وسكت عنها . وكان إبراهيم يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة فلم يمكث في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ، وقال : إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره ، ونظر في السماء فرأى كوكبا ، قال : هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب ثم طلعت الشمس قال : هكذا الخ ، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وعرف دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك ، فلما رجعت به أمه أخبرته أنه ابنه وأخبرته بما صنعت به . فسر بذلك وفرح فرحا شديدا . وقيل : إنه مكث في السرب سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة . قالوا : فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه : من ربي ؟ قالت : أنا . قال : فمن ربك ؟ قالت : أبوك . قال : فمن رب أبي ؟ قالت : اسكت . ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض لم أخبرته بما قال نحدث فأتاه أبوه آزر فقال إبراهيم : يا أبتاه من ربي ؟ قال : أمك . قال : فمن رب أمي ؟ قال : أنا . قال فمن ربك ؟ قال : نمروذ . قال : فمن رب نمروذ ؟ فلطمه لطمة وقال له : اسكت . فلما جنّ عليه الليل دنا من باب السرب فنظر في خلال الصخر فأبصر كوكبا فقال هذا ربي . ويقال : إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذه ؟ قال : إبل وخيل وغنم . فقال إبراهيم : لا بد لهذه من إله هو ربها وخالقها ، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع ويقال إنها الزهرة وكانت تلك الليلة من آخر الشهر آخر طلوع القمر ، فرأى الكوكب قبل القمر فذلك قوله عز وجل :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُيعني أسود بظلامه رأى كوكبا قال : هذا ربي . ثم اختلف العلماء في وقت هذه الرؤية وفي وقت هذا القول ، هل كان قبل البلوغ أو بعده على قولين ، أحدهما : أنه كان قبل البلوغ في حال طفوليته وذلك قبل قيام الحجة عليه ، فلم يكن لهذا القول الذي صدر من إبراهيم في هذا الوقت اعتبار ولا يترتب عليه حكم ، لأن الأحكام إنما تثبت بعد البلوغ . وقيل : إن إبراهيم لما خرج من السرب في حال صغره ونظر إلى السماء وما فيها من العجائب ، وكان قد خصه اللّه بالعقل الكامل والفطرة السليمة ، تفكر في نفسه وقال : لا بد لهذه الخلائق من خالق ومدبر وهو إله الخلق ، ثم نظر في حال تفكره فرأى الكوكب وقد أزهر ، فقال : هذا ربي على ما سبق إلى وهمه ، وذلك في حال طفوليته وقبل النظر في معرفة أحكام الرب سبحانه وتعالى . واستدل أصحاب هذا القول على صحته بقوله :لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَقالوا : وهذا يدل على نوع تحير وذلك لا يكون إلا في حال الصغر وقبل البلوغ وقيام الحجة ، وهذا القول ليس بسديد ولا مرض لأن الأنبياء معصومون في كل حال من الأحوال ، وأنه لا يجوز أن يكون للّه عز وجل رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو باللّه عارف وله موحد من كل منقصة منزه ومن كل معبود سواه بريء ، وكيف يتوهم هذا على إبراهيم وقد عصمه وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السماوات والأرض ورأى الكوكب ، قال معتقدا : هذا ربي حاشى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك لأن منصبه أعلى وأشرف من ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم . والقول الثاني الذي عليه جمهور المحققين : أن هذه الرؤية وهذا القول كان بعد بلوغ إبراهيم وحين شرفه اللّه بالنبوة وأكرمه بالرسالة ثم اختلف أصحاب هذا القول ثم اختلف أصحاب