مستعليا
فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
ملائكة تحصي أعمالكم
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ
شرح
قوله :وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةًيعني أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم ، والمراد بالحفظة الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم من الخير والشر والطاعة والمعصية وغير ذلك من الأقوال والأفعال ، قيل : إن مع كل إنسان ملكان : ملك عن يمينه وملك عن شماله ، فإذا عمل حسنة كتبها عليه صاحب اليمين ؛ وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال اصبر لعله ينوب منها ، أن لم يتب منها كتبها عليه صاحب الشمال ، وفائدة جعل الملائكة موكلين بالانسان أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأفعاله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رؤوس الاشهاد كان ذلك أزجر له عن فعل القبيح وترك المعاصي ، وقيل : المراد بقولهوَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةًهم الملائكة الذين يحفظون بني آدم ورزقه وأجله وعمله اه خازن .
قوله :وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةًفيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه عطف على اسم الفاعل الواقع صلة لأل ، لأنه في معنى يفعل والتقدير وهو الذي يقهر عباده ، ويرسل فعطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله . والثاني : أنها جملة فعلية عطفت على جملة اسمية وهي قوله :وَهُوَ الْقاهِرُ .الثالث : أنها معطوفة على الصلة وما عطف عليها وهو قوله : يتوفاكم ويعلم وما بعده أي وهو الذي يتوفاكم ويرسل عليكم اه سمين .
قوله :حَتَّى إِذا جاءَحتى هذه التي يبتدأ بها الكلام ، وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها ، كأنه قيل : ويرسل عليكم حفظة تحفظ أعمالكم مدة حياتكم حتى إذا انتهت مدة أحدكم كائنا ما كان وجاءه أسباب الموت ومباديه توفته رسلنا اه أبو السعود .
قوله :تَوَفَّتْهُ رُسُلُنايعني أعوان ملك الموت الموكلين بقبض أرواح البشر ، فإن قلت : قال اللّه تعالى في آية أخرى :اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها[ الزمر : 42 ] وقال في آية أخرى :قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ[ السجدة : 11 ] وقال هنا : توفته رسلنا فكيف الجمع بين هذه الآيات ؟
قلت : وجه الجمع بين هذه الآيات أن المتوفي في الحقيقة هو اللّه تعالى ، فإذا حضر أجل العبد أمر اللّه ملك الموت بقبض روحه ، ولملك الموت أعوان من الملائكة فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده ، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه فحصل الجمع بين الآيات . وقيل : المراد من قولهتَوَفَّتْهُ رُسُلُناملك الموت وحده ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له . وقال مجاهد : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء ، وجعلت له أعوان يتبعون الأنفس ثم يقبضها منهم . وقال أيضا : ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين ، وقيل : إن الأرواح إذا كثرت عليه يدعوها فتستجيب له اه خازن .
وفي الكرخي : والدنيا كلها بين ركبتي ملك الموت ، وجميع الخلائق بين عينيه ويداه يبلغان المشرق والمغرب ، وكل ما نفد أجله يعرفه بسقوط صحيفة من تحت العرش عليها اسمه ، فعند ذلك يبعث أعوانه من الملائكة ويتصرفون بحسب ذلك اه .
وفي القرطبي : وقال الكلبي : يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا ، أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرا . ويقال : معه سبعة من ملائكة الرحمة