وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ
جواب النفي
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 52 ) إن فعلت ذلك
شرح
النكرة متى قدمت انتصبت على الحال ، فعلى هذا يتعلق المحذوف والعامل في الحال الاستقرار في عليك ويجوز أن يكون من شيء في محل رفع بالفاعلية ورافعه عليك لاعتماده على النفي ومن حسابهم حال أيضا من شيء والعامل فيها الاستقرار والتقدير ما استقر عليك شيء من حسابهم . قوله :وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍكالذي قبله إلا أنه هنا يمتنع بعض ما كان جائزا هناك ، وذلك أن قوله من حسابك لا يجوز أن ينصب على الحال لأنه يلزم تقدمه على عالمه المعنوي وهو ممتنع أو ضعيف لا سيما وقد تقدمت هنا على العامل فيها وعلى صاحبها ، وقد تقدم لك أن الحال إذا كانت ظرفا أو حرف جر كان تقديمها على العامل المعنوي أحسن منه ، إذا لم يكن كذلك فحينئذ لك أن تجعل قوله من حسابك بيانا لا حالا ولا خبرا حتى تخرج من هذا المحذور ، وكون من هذه تبعيضية غير ظاهر ، وقدم خطابه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجملتين تشريفا له ، ولو جاءت الجملة الثانية على نمط الأولى لكان التركيب : وما عليهم من حسابك من شيء فتقدم المجرور بعلى كما قدمته في الأولى ، لكنه عدل عن ذلك لما تقدم ، وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البديع رد العجز على الصدر كقولهم عادات السادات سادات العادات . وقال الزمخشري : بعد كلام قدمه في معنى التفسير : فإن قلت أما كفى قوله ما عليك من حسابهم من شيء حتى ضم إليه وما ممن حسابك عليهم من شيء قلت : قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة ومؤداهما ، وهو المعنى بقوله :وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى[ الأنعام : 164 والإسراء :
15 وفاطر : 18 والزمر : 7 ] ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا ، كأنه قيل لا يؤاخذ كل واحد لا أنت ولا هم بحساب صاحبه اه .
قوله :مِنْ حِسابِهِمْأي أعمالهم ، وقوله من زائدة أي في المبتدأ . قوله : ( إن كان باطنهم غير مرضي ) أي كما طعن المشركون فيهم بذلك فقالوا إنهم يريدون بعبادتهم ومجالستهم لك أمور الدنيا كالأكل والشرب اه شيخنا .
قوله :فَتَطْرُدَهُمْفيه وجهان ، أحدهما : أنه منصوب على جواب النفي بأحد معنيين فقط ، وهو انتفاء الطرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم ، لأنه لا ينتفي بانتفاء المسبب بانتفاء سببه .
ولنوضح ذلك في مثال ، وهو : ما تأتينا فتحدثنا بنصب فتحدثنا وهو يحتمل معنيين ، أحدهما : انتفاء الإتيان وانتفاء الحديث ، كأنه قيل : ما يكون منك إتيان فكيف يقع منك حديث ؟ وهذا المعنى هو مقصود الآية الكريمة أي ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه ، فكيف يقع طرد ؟ والمعنى الثاني :
انتفاء الحديث وثبوت الإتيان كأنه قيل : ما تأتينا محدثا بل تأتينا غير محدث ، وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة والعلماء وإن أطلقوا قولهم إنه منصوب على جواب النهي ، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني . والثاني : أن يكون منصوبا على جواب النهي . وأما قوله : فتكون ففي نصبه وجهان ، أظهرهما : أنه منصوب عطفا على فتطردهم ، والمعنى : الإخبار بانتفاء حسابهم والطرد والظلم المسبب عن الطرد . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون عطفا على فتطردهم على وجه السبب لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم . والثاني : من وجهي النصب أنه منصوب على جواب النهي في قوله : ولا تطرد الذين ، ولم يذكر مكي ولا الواحدي ولا أبو البقاء غيره اه سمين .