تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
يَسْتَهْزِؤُنَ
( 10 ) وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك
قُلْ
لهم
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
( 11 ) الرسل من هلاكهم بالعذاب ليعتبروا
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ
شرح
قوله :ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَما هذه عبارة عن الشيء المستهزأ به ، وهو الرسل وشرائعهم ، ولا معنى لنزول هذا بهم ، فحينئذ يحتمل أن ما مصدرية وأن المصدر المنسبك مستعمل في المسبب عنه الذي ذكره الشارح بقوله : ( وهو العذاب ) فإنه مسبب عن الاستهزاء ، وهذا يبعده عود الضمير عليها ، ولا يعود إلا على الأسماء ، ويحتمل أنها باقية على الاسمية ويكون قد استعمل اسم السبب في المسبب ، لكن فيه أن السبب إنما هو الاستهزاء وهي عبارة عن المستهزأ به فليتأمل اه شيخنا . وفي السمين : قوله :فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوافاعل حاق ما كانوا وما يجوز أن تكون موصولة اسمية والعائد الهاء في به ، وبه متعلق بيستهزئون ، ويستهزئون خبر لكان ، ومنهم متعلق بسخروا على أن الضمير يعود على الرسل ، قال تعالى :إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ[ هود : 38 ] والذي يظهر أن الضمير في به يعود على الرسول الذي يتضمنه الجمع ، فكأنه قيل : فحاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسل المندرج في جملة الرسل ، وأما على رأي الأخفش وابن السراج فيعود على ما المصدرية لأنها عندهما اسم ، وحاق ألفه منقلبة عن ياء بدليل يحيق كباع يبيع ، والمصدر حيق وحوق وحيقان كالغليان والنزوان ، ومعنى حاق : أحاط ، وقيل : عاد عليه وبال مكره . قاله الفراء : وقيل : دار ، والمعنى : يدور على الإحاطة والشمول ولا يستعمل إلا في الشر . وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل ما كانوا . نقل الواحدي عن أكثر المفسرين ذلك أي عقوبة ما كانوا أو جزاء ما كانوا ، ثم قال وهذا إذا جعلت ما عبارة عن القرآن والشريعة ، وما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن جعلت ما عبارة عن العذاب الذي كان عليه السّلام توعدهم به إن لم يؤمنوا استغنيت عن تقدير المضاف ، والمعنى فحاق بهم العذاب الذي يستهزئون به وينكرونه اه . قوله :قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِأي لتعرفوا أحوال أولئك الأمم ، وقوله :ثُمَّ انْظُرُواأي تفكروا ، وكلمة ثم إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتم إلى بعد انتهاء السير إلى أماكنهم ، فالتراخي المفاد بثم من حيث أن انتهاء السير بعيد عن ابتدائه ، وإما لإظهار ما بين وجوب السير ووجوب النظر من التفاوت ، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلة إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله :فَانْظُروا *الآية ، بخلاف وجوب النظر فإنه ذاتي مقصود في نفسه . وأما ما قيل من أن الأمر الأول لإباحة السير للتجارة ونحوها ، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم ، وثم لتباعد ما بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام اه أبو السعود ببعض تصرف . قوله :كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَكيف : خير مقدم ، وعاقبة اسمها ، ولم يؤنث فعلها لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنها في تأويل المآل والمنتهى ، فإن العاقبة مصدر على وزن فاعلة وهو محفوظ في ألفاظ تقدم ذكرها وهي منتهى الشيء وما يصير إليه ، والعاقبة إذا أطلقت اختصت بالثواب . قال تعالى :وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ الأعراف : 128 ] وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة كقوله تعالى :ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى[ الروم : 10 ] فكان عاقبتهما أنهما في النار فصح أن تكون استعارات كقوله تعالى :فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ[ آل عمران : 21 والتوبة : 34 والانشقاق : 24 ] وكيف معلقة للنظر الفتوحات الإلهية / ج 2 / م 21