تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
عن ذلك قال تعالى
غُلَّتْ
أمسكت
أَيْدِيهِمْ
عن فعل الخيرات دعاء عليهم
وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
مبالغة في الوصف بالجود وثني اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
من توسيع وتضييق لا اعتراض عليه
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
شرح
قوله : ( دعاء عليهم ) معمول لقوله : قال تعالى على أنه مفعول من أجله ، ويصح رفعه خبر مبتدأ محذوف وقوله : ولعنوا من جملة الدعاء عليهم ، فهو عطف على الدعاء الأول وقوله بما قالوا سببية . قوله :بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ليس الأمر كذلك ، بل هو في غاية الجود اه أبو السعود . وعبارة الخازن : اختلف العلماء في معنى اليد على قولين ، أحدهما : وهو مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين ، أن يد اللّه صفة من صفات صفاته كالسمع والبصر والوجه ، فيجب علينا الإيمان بها وإثباتها له تعالى ، بلا كيف ولا تشبيه ، فقد نقل الفخر الرازي عن أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة قائمة بذات اللّه ، وهي صفة سوى المقدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء . قال : والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيده على سبيل الكرامة لآدم واصطفائه له ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة امتنع كون آدم مصطفى بذلك ، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء . والقول الثاني : قول جمهور المتكلمين وأهل التأويل ، فإنهم قالوا اليد تذكر في اللغة على وجوه ، أحدها : الجارحة وهي معلومة . ثانيها : النعمة . ثالثها : القدرة . رابعها : الملك . يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه . أما الجارحة فمنتفية عنه تعالى بشهادة العقل والنقل . وأما المعاني الثلاثة الباقية فممكنة في حقه تعالى ، لأن أكثر العلماء من المتكلمين ذهبوا إلى أن اليد في حق اللّه تعالى عبارة عن القدرة ، وعن الملك وعن النعمة . وههنا إشكالان ، أحدهما : أن يقال إذا فسرت اليد في حق اللّه تعالى بالقدرة ، فقدرة اللّه تعالى واحدة ، فما وجه تثنيتها في الآية ؟ وأجيب عنه بأن اليهود لما جعلوا قوله تعالى يد اللّه مغلولة كناية عن البخل ، أجيبوا على وفق كلامهم ، فقال : بل يداه مبسوطتان أي ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل ، بل هو جواد كريم على سبيل الكمال ، فإن من أعطى بيده فقد أعلى على أكمل الوجوه . والإشكال الثاني : أن اليد إذا فسرت بالنعمة فنعم اللّه كثيرة لا تحصى بنص القرآن ، فما وجه التثنية هنا ؟ وأجيب بأن التثنية بحسب الجنس أي أن النعم جنسان من نعمة الدنيا ونعمة الدين ونعمة الظاهر ونعمة الباطن ونعمة المنع ونعمة الدفع ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع كثيرة لا نهاية لها ، فالمراد بالتثنية المبالغة في وصف النعمة اه ملخصا . وقوله : أما الجارحة فممتنعة عليه تعالى الخ . هذا الامتناع إنما هو عند المؤمنين ، وأما اليهود فتقدم أنهم مجسمة ، فيصح حمل اليد على الجارحة بحسب اعتقادهم الفاسد . قوله : ( مبالغة ) أي هذا مبالغة في الوصف بالجود . قوله :يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُفي هذه الجملة وجهان ، أحدهما : وهو الظاهر أن لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة . والثاني : أنها في محل رفع لأنها خبر ثان ليداه ، وكيف في مثل هذا التركيب