صبروا
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ
جزاء أعمالكم
يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ
بعد
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
نال غاية مطلوبه
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا
أي العيش فيها
إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
( 185 ) الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى
لَتُبْلَوُنَّ
حذف منه الرفع لتوالي
شرح
قوله :وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْأي تعطونها على التمام . قوله :يَوْمَ الْقِيامَةِأي قيام الخلق من القبور ، وذلك عند النفخة الثانية اه .
وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله ، كما ينبئ عنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » اه أبو السعود .
قوله :وَمَا الْحَياةُ الدُّنْياالإضافة على معنى في كما أشار له الشارح بقوله : أي العيش فيها ، والعيش هو الحياة كما في كتب اللغة ، وفيها أيضا أن المعيشة هي كسب الإنسان وتحصيله ما يعيش به من مطعم ومشرب وملبس وغير ذلك . قوله :إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِعبارة السمين : الغرور يجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول أي متاع المغرور أي المخدوع وأصل الغرور الخدع اه . وفي البيضاوي شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المشتري فيغرّه حتى يشتريه ، والغرور مصدر أو جمع غار اه .
وعبارة الخازن : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور يعني أن العيش في هذه الدنيا الفانية يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء ، وسينقطع عن قريب ، فوصف بأنها متاع الغرور ، ولأنها تغر ببذل المحبوب وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم . والمتاع كل ما استمع به الإنسان من ماله وغيره ، وقيل المتاع كالفأس والقدر والقصعة ونحوها والغرور ما يغر الإنسان مما لا يدوم ، وقيل الغرور الباطل .
معنى الآية أن منفعة الإنسان بالدنيا كمنفعته بهذه الأشياء التي يستمتع بها ثم تزول عن قريب ، وقيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول ، فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة اللّه ما استطعتم . قال سعيد بن جبير : هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة ، فأما من اشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منها اه .
قوله : ( الباطل ) هذا التفسير يقتضي أن الإضافة بيانية ، وأن الغرور هو الشيء الباطل ، ومعنى البطلان هنا الفناء والانقطاع وعدم الدوام اه .
قوله :لَتُبْلَوُنَّالخ شروع في تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من المؤمنين عما سيلقونه من جهة الكفرة من المكاره ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ، ويستعدوا للصبر له اه أبو السعود .
وفي السمين : لتبلون هذا جواب قسم محذوف تقديره ، واللّه لتبلون ، وهذه الواو هي واو الضمير ، والواو التي هي لام الكلمة حذفت لأمر تصريفي ، وذلك أن أصله لتبلوونن ، فالنون الأولى للرفع حذفت لأجل نون التوكيد ، وتحركت الواو التي هي لام الكلمة ، وافتتح ما قبلها فانقلبت ألفا ، فالتقى ساكنان الألف وواو الضمير ، فحذفت الألف لئلا يلتقيا وضمت الواو دلالة على المحذوف ، وإن شئت قلت استثقلت الضمة على الواو الأولى ، فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الواو الأولى وحركت الواو بحركة مجانسة دلالة على المحذوف ، ولا يجوز قلب مثل هذه الواو همزة لأن حركتها عارضة ، ولذلك لم تقلب ألفا وإن تحركت وانفتح ما قبلها ، وأصل لتسمعن لتسمعونن ففعل فيه ما تقدم