بعمل الطاعات وترك المعاصي
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
في طاعة اللّه
فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
اليسر والعسر
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
الكافين عن إمضائه مع القدرة
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
ممن ظلمهم أي
شرح
أن الطهارة أعظم تقول هذه صفة عرضها فكيف طولها . قال الزهري : وإنما وصف عرضها ، فأمر طولها فلا يعلمه إلا اللّه تعالى ، هذا على سبيل التمثيل ، لا أنها كالسماوات والأرض لا غير ، بل معناه كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم ، كقوله تعالى :خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ[ هود : 107 ] أي عند ظنكم وإلا فهما زائلتان . وعن ابن عباس : الجنة كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض . وعنه أيضا أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة . وروي أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار ؟ فقال لهم : أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار ، وإذا جاء النهار فأين يكون الليل ؟ فقالوا : إن مثلها في التوراة ومعناه أنه حيث شاء اللّه . وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء أم في الأرض ؟ فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة . قيل : فأين هي ؟ قال : فوق السماوات السبع تحت العرش . وقال قتادة : كانوا يرون الجنة فوق السماوات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع ، فإن قيل : قال تعالى :وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ[ الذاريات : 22 ] وأراد بالذي وعدنا الجنة فإذا كانت الجنة في السماء ، فكيف يكون عرضها ما ذكر ؟ أجيب بأن باب الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى اه خطيب .
قوله : ( لو وصلت إحداهما بالأخرى ) بأن جعلت السماوات والأرض طبقا طبقا ثم وصل البعض بالبعض حتى صار الكل طبقا واحدا اه خازن .
قوله : ( والعرض السعة ) أي بقطع النظر عن مقابل له ، فليس العرض في مقابلة الطول ، بل المراد به مطلق السعة ، ولفظ العرض يطلق على هذا المعنى وعلى ما يقابل الطول ، وهو أقصر الامتدادين ، وكل من الإطلاقين حقيقي كما هو القاموس .
قوله :الَّذِينَ يُنْفِقُونَيجوز في محله الأوجه الثلاثة ، فالجر على النعت ، أو البدل ، أو البيان والنصب والرفع على القطع المشعر بالمدح اه سمين .
قوله :الْكاظِمِينَيجوز فيه الجر والنصب على ما تقدم فيما قبل اه سمين .
وعبارة أبي السعود :وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَعطف على الموصول والعدول إلى صيغة الفاعل للدلالة على الاستمرار ، وأما بالإنفاق فحيث كان أمرا متجدد عبر عنه مما يفيد الحدوث والتجدد اه .
قوله : ( الكافين عن إمضائه ) أي بالصبر من غير ظهور أثر له على البشرة : وقوله مع القدرة ، أي لما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود وغيرهما : من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا اه كرخي .
والكظم : الحبس كظم غيظه أي حبسه ، وكظم القربة والسقاء إذا شد فمهما مانعا من خروج ما فيهما ، ومنه الكظام السير تشد به القربة والسقاء لذلك ، والكظم في الأصل مخرج النفس يقال : أخذ بكظمه ، والكظوم احتباس النفس ويعبر عند السكوت ، كقولهم فلان لا يتنفس ، والمكظوم الممتلىء غيظا ، وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلم ، والكظيم الممتلىء أسفا اه سمين .