التاركين عقوبتهم
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
( 134 ) بهذه الأفعال أي يثيبهم
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
ذنبا قبيحا كالزنا
أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بما دونه كالقبلة
ذَكَرُوا اللَّهَ
أي وعيده
فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ
أي لا
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا
يديموا
عَلى ما فَعَلُوا
بل أقلعوا عنه
وَهُمْ
شرح
وفي المصباح : كظمت الغيظ كظما من باب ضرب ، وكظوما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ ، وفي التنزيلوَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَوربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ ، فأنا كظيم ومكظوم وكظم البعير كظوما لم يجتر اه .
قوله : ( ممن ظلمهم ) بيان للناس ، وقوله أي التاركين عقوبتهم ، عبارة الخطيب : أي التاركين عقوبة من استحق المؤاخذة . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على اللّه ، فلا يقوم إلا من عفا » ، وعن ابن عيينة أنه رواه الرشيد ، وقد غضب على رجل فخلاه . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم اللّه » وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت ، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعا وهو ظاهر ، وأن يكون متصلا لما في القلة من معنى كأنه قيل : إن هؤلاء في أمتي لا يوجدون إلا من عصم اللّه فإنه يوجد في أمتي ، انتهت .
قوله : ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) يجوز أن يكون معطوفا على الموصول قبله ، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة ، وتكون الجملة من قوله :وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَمعترضة بين المتعاطفين ، ويجوز أن يكون قوله والذين إذا فعلوا فاحشة مرفوعا بالابتداء ، وأولئك مبتدأ ثان ، وجزاؤهم مبتدأ ثالث ، ومغفرة خبر الثالث والثالث خبره خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول . وقوله : إذا فعلوا شرط جوابه ، ذكروا وقوله فاستغفروا لذنوبهم عطف على الجواب ، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول ، والمفعول الأول لاستغفر محذوف أي استغفروا اللّه لذنوبهم . وقد تقدم الكلام على استغفروا أنه يتعدى لاثنين ثانيهما بحرف الجر ، وليس هو هذه اللام ، بل من وقد تحذف ، وقوله ومن يغفر الذنوب استفهام بمعنى النفي ، ولذلك وقع بعد الاستثناء ، وقوله إلا اللّه بدل من الضمير المستكن في يغفر ، والتقدير لا يغفر أحد الذنوب إلا اللّه ، والمختار هنا الرفع على البدل لكون الكلام غير إيجاب ، وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى :وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ[ البقرة : 130 ] اه سمين .
قوله : ( كالزنا ) أشار به إلى أن المراد العموم في الفاحشة لا الزنا فقط وقوله : ( بما دونه ) أي بأي ذنب كان ، وقوله كالقبلة أي اللمسة والنظرة ونحوهما ، وفيه إشارة إلى أنه إنما صرح بذكر الفاحشة مع دخولها في ظلم النفس وترك مقتضى الظاهر ، لأن المراد بها نوع من أنواع ظلم النفس أو ليدل به على عدم المبالاة في الغفران . فإن الذنوب ، وإن جلت فعفوه أعظم اه كرخي .
قوله :ذَكَرُوا اللَّهَجواب إذا ، وقوله : أي وعيده أي فيكون من باب حذف المضاف ، وفيه إشارة إلى أن المراد الذكر القلبي لا اللساني أي أو جماله فاستحيوا أو جلاله فهابوا اه كرخي .
وفي عبارة البيضاوي : ذكروا اللّه أي تذكروا وعيده أو حكمه وحقه العظيم اه .
قوله :وَلَمْ يُصِرُّوايجوز أن تكون جملة حالية من فاعل استغفروا أي استغفروا غير مصرين ، ويجوز أن تكون هذه الجملة منسوقة على فاستغفروا . أي ترتب على فعلهم الفاحشة ذكر اللّه تعالى