تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
منزله ولبس لأمته ، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا : بئس ما صنعنا نشير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والوحي يأتيه ، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا : يا رسول اللّه اصنع ما شئت ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل » ، وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس ، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة ، وكان قد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلّى عليه ، ثم خرج إليهم ، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة ، وقيل : كان نزوله في جانب الوادي وجعل ظهره وأصحابه إلى أحد ، وأمّر عبد اللّه بن جبير على الرماة ، وقال : « ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا » ، وقال : « اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولّوا الأدبار ، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام » ، ولما خالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأي عبد اللّه بن أبي ابن سلول شق عليه ذلك وقال : أطاع الوالدان وعصاني ، ثم قال لأصحابه : إن محمدا إنما يظفر بعدوّه بكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا أنتم يتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما قال محمد لأصحابه . فلما التقى الجمعان وكان عسكر المسلمين ألفا وكان المشركون ثلاثة آلاف انخذل عبد اللّه بن أبي ابن سلول بثلاثمائة من أصحابه المنافقين ، وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في نحو سبعمائة من أصحابه ، فقواهم اللّه وثبتهم حتى انهزم المشركون . فلما رأى المؤمنون انهزام المشركين طمعوا في أن تكون هذه الوقعة كوقعة بدر ، فطلبوا المدبرين ، وخالفوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأراد اللّه أن يقطعهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مثله في مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليعلموا أن ظفرهم يوم بدر إنما كان ببركة طاعة اللّه وطاعة رسوله ، ثم إن اللّه نزع الرعب من قلوب المشركين ، فكروا راجعين على المسلمين ، فانهزم المسلمون وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في جماعة من أصحابه منهم : أبو بكر ، وعلي ، والعباس ، وطلحة ، وسعد ، وكسرت رباعية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشج وجهه يومئذ ، وكان من غزوة أحد ما كان ، فذلك قوله تعالى :وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَالخ اه خازن . قوله :وَإِذْ غَدَوْتَالغدو : الخروج أول النهار يقال : غدا يغدو من باب سما أي خرج غدوة ، ويستعمل بمعنى صار عند بعضهم ، فيكون ناقصا يرفع الاسم وينصب الخبر ، وعليه قوله عليه الصلاة والسّلام : « لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » اه . وهذا المعنى الثاني ممكن هنا ، فالمعنى عليه ، وإذ غدوت أي صرت تبوىء المؤمنين أي تنزلهم في منازل ، وهذا أظهر من المعنى الآخر ، لأن المذكور في القصة أنه سار من أهله بعد صلاة الجمعة ، وبات في شعب أحد وأحد وأصبح ينزل أصحابه في منازل القتال ويدبرهم أمر الحرب اه . قوله :تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَالجملة يجوز أن تكون حالا من فاعل غدوت وهي حال مقدرة أي قاصدا تبوىء المؤمنين لأن وقت الغدو ليس وقتا للتبوىء ، ويحتمل أن تكون مقارنة لأن الزمان متسع . وتبوىء أي تنزل فهو يتعدى لمفعولين إلى أحدهما بنفسه ، وإلى الآخر بحرف الجر ، وقد يحذف كهذه الآية . ومن عدم الحذف قوله تعالى :وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ[ الحج : 26 ] وأصله من المباءة وهي المرجع ، واللام في للقتل فيها وجهان ، أظهرهما : أنها متعلقة بتبوىء على أنها لام العلة .