تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفع عيسى إلى السماء
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( 54 ) أعلمهم به ، اذكر
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
قابضك
وَرافِعُكَ إِلَيَّ
من الدنيا من غير موت
شرح
ما ذكر معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به ، وهذا كما تقدم . هكذا قيل ، وقد جاء ذلك من غير مقابلة في قوله :أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ[ الأعراف : 99 ] ، والمكر في اللغة أصله الستر يقال ؛ مكر الليل أي أظلم وستر بظلمته ما فيه ، وقالوا : واشتقاقه من المكر ، وهو شجر ملتف تخيلوا منه أن المكر يلتف بالممكور به ، ويشمل عليه ، وامرأة ممكورة الخلق أي ملتفة الجسم ، وكذا ممكورة البطن ، ثم أطلق المكر على الخبث والخداع ، ولذلك عبّر عنه بعض أهل اللغة بأنه السعي بالفساد ، قال الزجاج : وهو من مكر الليل وأمكر أي أظلم وعبر بعضهم عنه ، فقال : وهو صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان محمودان ، وهو أن يتحرى به فعل جميل ومن ذلك قوله :وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح نحو :وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ[ فاطر : 43 ] اه سمين . قوله : ( على من قصد قتله ) أي على رجل من اليهود قصد أي ذلك الرجل قتله أي قتل عيسى ، وذلك أن عيسى لما تحقق أنهم منهم يقتلونه ، واجتمعوا على قتله بعث اللّه إليه جبريل ، فأدخله خوخة في سقفها فرجة ، فرفعه اللّه من تلك الفرجة وأمر ملك اليهود رجلا منهم يقال له طيطانوس أن يدخل الخوخة فيقتله فيها ، فلما دخلها لم ير عيسى ، وألقي اللّه عليه شبه عيسى ، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وقالوا له : أنت عيسى ؟ فقال : أنا صاحبكم ، فلم يلتفتوا إلى قوله ، فلما قتلوه قالوا وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا ، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان صاحبنا فأين عيسى ، فوقع بينهم قتال عظيم اه خازن . قوله :وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَأي أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب صاحبه اه أبو السعود ، وعبارة الكرخي قوله : أعلمهم به أي المكر . فيه إشارة إلى أن المكر لا يسند إلى اللّه تعالى إلا على سبيل المقابلة أو الازدواج ، لأنه حيلة تجلب بها غيرك إلى مفسدة ظاهرة انتهت . قوله :إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَفيه وجهان : أظهرهما : أن الكلام على حاله من غير ادعاء تقديم وتأخير فيه بمعنى إني مستوفي أجلك ومؤخرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار إلى أن تموت حتف أنفك من غير أن تقتل بأيدي الكفار وأرفعك إلى سمائي . والثاني : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والأصل رافعك إليّ ومتوفيك لأنه رفع إلى السماء ، ثم يتوفى بعد ذلك ، والواو لمطلق الجمع ، فلا فرق بين التقديم والتأخير ، قاله أبو البقاء ، وبدأ به ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كل واحد في مكانه بما تقدم من المعنى ، إلا أن أبا البقاء حمل التوفي على الموت إنما هو بعد رفعه ونزوله إلى الأرض وحكمه بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اه سمين . وعبارة البيضاوي : يا عيسى إني متوفيك أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى عاصما إياك من قتلهم أو قابضك من الأرض من توفيت مالي أو متوفيك نائما إذ روي أنه رفع نائما ، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت ، وقيل : أماته اللّه سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء ، انتهت .