فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
أي المنزل ومن للبيان أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن
شرح
الزمخشري التضعيف هنا دالا على نزوله منجما في أوقات مختلفة ، وفي قوله نزلنا التفات من الغيبة إلى التكلم ، لأن قبله اعبدوا ربكم . فلو جاء الكلام على ظاهره لقيل مما نزل على عبده ، ولكنه التفت للتفخيم وعلى عبدنا متعلق بنزلنا ، وعدي بعلى لإفادتها الاستعلاء ، كأن المنزل تمكن من المنزل عليه ولبسه ، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدي بها دون إلى ، فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط والإضافة في عبدنا تفيد التشريف وقرىء عبادنا ، فقيل : المراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته لأن جدوى المنزل وفائدته حاصلة لهم ، وقيل : المراد لهم جميع الأنبياء عليهم السّلام اه سمين .
قوله : ( من القرآن ) بيان لما . وقوله : ( أنه من عند اللّه ) أي في أنه من عند اللّه أي أو في أنه من عند نفسه اه .
قوله :فَأْتُوا بِسُورَةٍجواب الشرط . والفاء هنا واجبة لأن ما بعدها لا يصلح أن يكون شرطا ، وأصل ائتوا ائتيوا مثل اضربوا ، فالهمزة الأولى همزة وصل أتى بها للابتداء بالساكن ، والثانية فاء الكلمة اجتمع همزتان قلبت ثانيتهما ياء على حد إيمان وبابه واستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فحذفت فسكنت الياء وبعدها واو الضمير ساكنة فحذفت الياء لالتقاء الساكنين وضمت التاء قبلها للتجانس ، فوزن ائتوا افعوا ، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداء إما في الدرج فإنه يستغنى عنها وتعود الهمزة التي هي فاء الكلمة لأنها إنما قلبت لأجل الكسر الذي كان قبلها وقد زال اه سمين .
قوله : ( للبيان ) بناء على ما جرى عليه من عود الضمير للمنزل ، وهو وإن كان الراجح كما سيأتي لا يتعين بل يصح كما جرى عليه البيضاوي وغيره كونها تبعيضية أي بسورة أي بمقدارها كائنة من مثل المنزل في فصاحته وإخباره بالغيوب وغير ذلك . لكن فيه إيهام أن للمنزل مثلا عجزوا عن الإتيان ببعضه ومن أعاد الضمير على عبدنا جعل من ابتدائية أي بسورة كائنة ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم . قالوا : وعوده للمنزل أوجه لأنه الظاهر المطابق لقوله في سورة يونس :فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ[ يونس : 38 ] وليست السورة مثل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولأن الكلام في المنزل عليه كقوله :وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنافحقه أن لا ينفك عنه ليتسق الترتيب والنظم . إذ المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند اللّه فأتوا بشيء مما يماثله ، ولو كان الضمير للمنزل عليه لكان حقه أن يقال ، وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فأتوا بقرآن من مثله اه كرخي .
وفي السمين قوله : من مثله في الهاء ثلاثة أقوال ، أحدها : أنها تعود على ما نزل فيكون من مثله صفة لسورة ، ويتعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثل المنزل في فصاحته وإخباره بالغيوب وغير ذلك ويكون معنى من التبعيض ، واختار ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان ، وأجاز أبو البقاء أن تكون زائدة ولا يجيء إلا على قول الأخفش . والثاني : أنها تعود على عبدنا فيتعلق من مثله بائتوا ويكون معنى من ابتداء الغاية ويجوز على هذا الوجه أيضا أن تكون صفة لسورة أي بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا . الثالث : قال أبو البقاء إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله :وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ[ النحل : 66 ] قلت : ولا حاجة تدعو إلى ذلك والمعنى يأباه أيضا اه .