الشَّهَواتِ
ما تشتهيه النفس وتدعو إليه زينها اللّه ابتلاء أو الشيطان
مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ
شرح
بأصنافها وتزهيد الناس فيها ، وتوجيه رغباتهم إلى ما عند اللّه إثر بيان عدم نفعها للكفرة الذين كانوا يتعززون بها اه . أبو السعود .
قوله : ( ما تشتهيه النفس ) فالمصدر بمعنى اسم المفعول عبر به عنه مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات ، والشهوة ثوران النفس وميلها إلى الشيء المشتهى اه أبو السعود .
والشهوة إما كاذبة ومنها قوله تعالى :فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ[ مريم : 59 ] أو صادقة كقوله تعالى :وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ[ الزخرف :
71 ] أو تحتملهما كما نحن فيه اه كرخي .
قوله : ( زينها اللّه ) أي الشهوات ، ففيه إشارة إلى أن ايقاع التزيين على الحب مسامحة لأجل المبالغة والمزين حقيقة هو المشتهيات وتزيين اللّه عبارة عن جعل القلوب متعلقة بها مائلة إليها ، وتزيين الشيطان وسوسته وتحسينه الميل إليها اه شيخنا .
وفي الكرخي قوله : زينها اللّه تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي ، قاله القاضي البيضاوي .
وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب : اللهم لا صبر لنا على ما زينت لنا إلا بك ، رواه البخاري . وقوله :
( ابتلاء ) أي اختبارا ليظهر عبد الشهوة من عبد المولى قال تعالى :إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[ الكهف : 7 ] . وقوله : ( والشيطان ) أي على ما جاء صريحا في قوله تعالى :وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ[ النمل : 24 ] ، فان الآية في معرض الذم اه .
قوله :مِنَ النِّساءِالخ من بيانية ، وهي مع مجرورها في محل الحال ، وبيّن الشهوات بأمور ستة ، وبدأ بالنساء ، لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ، ولأنهن حبائل الشيطان ، وأقرب إلى الافتتان ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحكيم منكن » ويروى الحازم منكن ، وقيل : فهن فتنتان وفي البنين فتنة واحدة ، وذلك أنهن يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل غالبا ، وهن سبب في جمع المال من حلال وحرام والأولاد تجمع لأولاد تجمع لأجلهم الأموال ، فلذلك ثنى بالبنين . وفي الحديث « الولد مبخلة مجبنة محزنة » ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأن عنهن ، وفي كلامهم : المرء مفتون بولده ، وقدموا على الأموال لا لأنهم أحب إلى المرء من ماله ، وخص البنون بالذكر دون البنات لأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى لأنه يتكثر به والده ويعضده ويقوم مقامه اه سمين وخازن .
قوله :وَالْقَناطِيرِجمع قنطار مأخوذ من إحكام الشيء يقال : قنطرته إذا أحكمته ومنه القنطرة أي المحكمة الطاق . واختلفوا فيه هل هو محدود أو لا ؟ على قولين . وعلى الأول اختلفوا في حده فقيل هو مائة رطل ، فقد روى أبي بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية » ، وقال بذلك معاذ بن جبل ، وعبد اللّه بن عمر ، وأبو هريرة ، وجماعة من العلماء . قال ابن عطية : وهو أصح الأقوال ، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية ، وقيل : هو اثنا عشر ألف أوقية وقيل : ملء مسك ثور وقيل غير ذلك . وعلى الثاني هو عبارة عن المال الكثير بعضه على بعض ،