بقدرتي على الاحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضه
قالَ
شرح
كانت حوتا ميتا ، وقيل كان رجلا ميتا بساحل البحر قيل بحر طبرية ، فرآها وقد توزعتها دواب البر والبحر ، فإذا مد البحر جاءت الحيتان فأكلت منها ، وإذا انحسر البحر جاءت السباع فأكلت منها ، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها ، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها وقال : يا رب إني علمت أنك تجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف الدواب فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينا . فعاتبه اللّه تعالى بقوله :قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْيعني أو لم تصدق ؟ قال : بلى يا رب قد علمت وآمنت ولكن ليطمئن قلبي ، أي ليسكن قلبي عند المعاينة . أراد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أن يصير له علم اليقين عين اليقين ، لأن الخبر ليس كالمعاينة ، وقيل لما رأى الجيفة وقد تناولتها السباع والطير ودواب البحر تفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه ، ولم يكن إبراهيم عليه السّلام شاكا في إحياء اللّه الموتى ولا دافعا له ، ولكنه أحب أن يرى ذلك عيانا كما أن المؤمنين يحبون أن يروا نبيهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ويحبون رؤية اللّه والجنة ويطلبونه ويسألونه في دعائهم مع الإيمان بصحة ذلك وزوال الشك عنهم ، فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عيانا . وقيل : كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما اجتمع على نمروذ ، فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، فقال نمروذ : أنا أحيي وأميت ، فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر ، فقال إبراهيم : إن اللّه تعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه ، فقال له نمروذ : أنت عاينته ؟ فلم يقدر إبراهيم أن يقول نعم ، فانتقل إلى حجة أخرى . ثم سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ، قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي ، فإذا قيل أنت عاينته ؟ فأقول : نعم اه خازن .
قوله :رَبِّ أَرِنِيبصرية متعدية لواحد وبدخول همزة النقل عليها طلبت مفعولا آخر هو جملة الاستفهام اه أبو السعود .
وأصل أرني أرئيني بوزن أكرمني ، فحذفت الياء الأولى لأن الأمر كالمضارع في الحذف ، فصال أرئني ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة فصار أرني بوزن افني ، فإنه حذف منه عينه وهي الهمزة ولامه وهي الياء اه .
قوله :قالَتعالى له أي تقريراأَ وَلَمْ تُؤْمِنْأي أتسأل ولم تؤمن اه كرخي .
قوله : ( سأله ) أي سأل اللّه تعالى إبراهيم بقوله : أو لم تؤمن ، وقوله مع علمه أي علم اللّه تعالى بإيمانه أي إيمان إبراهيم بذلك أي بقدرة اللّه على الإحياء ، وقوله ليجيبه أي ليجيب إبراهيم ربه ، وقوله بما سأل أي بالذي سأل اللّه إبراهيم عنه ، وهو إيمانه بقدرة اللّه تعالى حيث قال له : أو لم تؤمن ؟ ولهذا أجابه إبراهيم بقوله : بلى ، فإن هذا جواب بإيمانه الذي سأله اللّه تعالى عنه ، وقوله فليعلم السامعون غرضه أي غرض إبراهيم في سؤاله بقوله رب أرني الخ أي ليعلموا أن غرضه استكشاف واستعلام كيفية الإحياء ، وأنه لا شك عنده في الإيمان بقدرة اللّه تعالى عليه . وعبارة أبي السعود قاله عز وجل وهو أعلم بأنه عليه السّلام أثبت الناس إيمانا وأقواهم يقينا ليجيب بما أجاب به ، فيكون ذلك لطفا بالسامعين ، انتهت .