من أمر الدنيا والآخرة
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
أي لا يعلمون شيئا من معلوماته
إِلَّا بِما شاءَ
أن يعلمهم به منها بأخبار الرسل
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
قيل أحاط علمه بهما
شرح
قوله : ( أي الخلق ) أي المعبر عنهم بما في قوله :ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ .قوله :يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْأي ما هو حاضر مشاهد لهم وهو الدنيا وما فيها . وقوله :وَما خَلْفَهُمْأي قدامهم وهو الآخرة وما فيها . فقوله : أي من أمر الدنيا والآخرة من قبيل اللف والنشر المرتب ، ويصح أن يكون مشوشا وهو أن يكون ما بين أيديهم أمر الآخرة وما خلفهم أمر الدنيا ، لأن الشخص مستقبل للآخرة مستدبر الدنيا اه من الكرخي مع زيادة .
قوله :وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍيقال أحاط بالشيء إذا علمه وعلم وجوده وجنسه وقدره وحقيقته .
وقوله :إِلَّا بِما شاءَوهم الأنبياء والرسل ، قال تعالى :فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ[ الجن : 26 ] اه شيخنا .
قوله : ( أي يعلمون شيئا من معلوماته ) إشارة إلى أن العلم هنا بمعنى المعلوم ، لأن علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا يتبعض ، ومن ثم صح دخول التبعيض والاستثناء عليه ، ومعلوم أن المفعول يسمى باسم المصدر كثيرا اه كرخي .
قوله :إِلَّا بِما شاءَمتعلق بيحيطون ولا يضر تعلق هذين الحرفين المتحدين لفظا ومعنى بعامل واحد ، لأن الثاني ومجروره بدل من شيء بإعادة العامل بطريق الاستثناء كقولك : ما مررت بأحد إلا بزيد اه كرخي .
قوله : ( ان يعلمهم به منها ) أشار به إلى أن مفعول شاء محذوف تقديره ما ذكره اه كرخي .
قوله :وَسِعَ كُرْسِيُّهُيقال فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به ، وأصل الكرسي في اللغة مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض ، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض . وفي العرف ما يجلس عليه سمي به لتركب خشبه بعضه على بعض ، وفي المصباح : وتكرس فلان الحطب وغيره إذا جمعه ومنه الكراسة بالتثقيل اه .
قوله : ( قيل أحاط علمه بها وقيل ملكه ) أي سلطانه إشارة إلى أن كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه مأخوذ من كرسي العالم ، والملك أو هو تمثيل لعظمته وتمثيل مجرد كقوله :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ الأنعام : 91 ] الآية من غير تصور قبضة وطي ويمين ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد ، ولذا قال العلامة التفتازاني ، إنه من باب إطلاق المركب الحسي المتوهم على المعنى العقلي المحقق اه كرخي .
وفي القاموس ما يقتضي أن إطلاق الكرسي على العلم حقيقة ، فحينئذ لا حاجة للتجوز المذكور ونصه : والكرسي بالضم والكسر السرير والعلم والجمع كراسي ، وبلدة بطبرية جمع عيسى عليه الصلاة والسّلام الحواريين بها وأنفذهم إلى النواحي اه .
وفي القرطبي وقال ابن عباس : كرسيه علمه ، ورجحه الطبري . وقيل : كرسيه قدرته التي يمسك