تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
قيل : وفي التعبير باسم الذات الدال على استجماع الكمالات وتعقيب بتلك الصفات المنفيّة عما سواه تعالى ، دلالة على انحصار استحقاق الحمد فيه ، وقصر العبادة والاستعانة عليه تعالى ، وإرشاد إلى المبدأ والمعاد ، وتنبيه على أن من يحمده الناس ، إما أن يحمدوه لكماله الذاتي ، أو لانعامه عليهم ، أو لرجائهم إحسانه في المستقبل ، أو لخوفهم من كمال قهره ، فكأنه تعالى يقول : يا ايّها الناس ان كنتم تحمدون للكمال الذاتي ، فانا اللّه ، أو للانعام والتربية ، فانا رب العالمين ، أو للرجاء في المستقبل فانا الرّحمن الرحيم ، أو للخوف من كمال القهر فإنه مالك يوم الدين .
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ايّا ضمير منصوب منفصل ، ولواحقه من الكاف والياء والهاء ، حروف لبيان الخطاب والتكلم والغيبة ، لا محل لها من الاعراب ، ككاف ذلك على أصحّ الأقوال . وقيل : انه مضمر مضاف إلى ما بعده . وردّ بان الضمير لا يضاف . وقيل إن إياك بكماله ضمير . والعبادة أعلى مراتب الخضوع والتذلل ، ولذا لا يستحقها إلا المولي لأعظم النعم ، من الوجود والحياة وتوابعها . والاستعانة طلب المعونة في الفعل ، ولعلّ المراد بها هنا طلب المعونة في كل المهمّات ، ولذا حذف المستعان فيه أو في أداء العبادة بوظائفها ، ولعل استعماله بلا واسطة الحرف ، إشارة إلى أن العبد ، ينبغي ان لا يرى بينه وبين الحق واسطة في الاستعانة ، بان يقصر نظره عليه ، أو يرى الوسائط منه . وتقديم المفعول ، لقصر العبادة والاستعانة عليه تعالى ، قصرا حقيقيا أو إضافيا افراديا ، ولتقدمه تعالى في الوجود ، وللتنبيه على أن العابد ، والمستعين ، ينبغي ان يكون نظرهما بالذات ، إلى الحق سبحانه ، ثم منه إلى أنفسهم ، لا من حيث ذواتها ، بل من حيث أنها ملاحظة له تعالى ، ثم إلى عبادتهم ونحوها ، لا من حيث صدورها عنهم بل من حيث أنها