تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 53 إلى 54 ]

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
يا محمد
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
أي : أفرطوا في الجناية عليها ، بالإسراف في المعاصي ، والغلو فيها ،
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
: لا تيأسوا من مغفرته أولا ، وتفضله بالرحمة ثانيا ،
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
، بالعفو عنها ، إلا الشرك . وفي قراءة النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي » « 1 » لكنها لم تتواتر عنه . والمغفرة تصدق بعد التعذيب وقبله ، وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر ، كيف ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
« 2 » ظاهر في الإطلاق مما عدا الشرك ؟ ولما يدل عليه التعليل بقوله :
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
على المبالغة ، وإفادة الحصر ، والوعد بالرحمة بعد المغفرة . وما في
عِبادِيَ
من الدلالة على الذلة والاختصاص ، المقتضيين للترحم .
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
؛ يستر عظام الذنوب
الرَّحِيمُ
يكشف فظائع الكروب . والآية ، وإن نزلت في « وحشي » ، قاتل « حمزة » ، أو في غيره ، لا تقتضى التخصيص بهم ، فإن أسباب النّزول لا تخصص . وعن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية » « 3 » . ولما نزلت في شأن وحشي ، وأسلم ، قال المسلمون : هذه له خاصة ، أو للمسلمين عامة ؟ فقال النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « بل هي للمسلمين عامة » « 4 » . وقال قتادة : إن ناسا أصابوا ذنوبا عظاما ، فلما جاء الإسلام أشفقوا ألا يتاب عليهم ، فدعاهم اللّه تعالى بهذه الآية « 5 » . وقال ابن عمر : نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ،
هامش
( 1 ) أخرجها الترمذي في ( التفسير - باب ومن سورة الزمر ، ح 3237 ) والبغوي في شرح السنة ( 14 / 384 ) وفي التفسير ( 7 / 126 ) من حديث أسماء بنت يزيد ، قال الترمذي : حديث حسن غريب . ( 2 ) الآية 48 ، 116 من سورة النّساء . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 275 ) وابن جرير ( 24 / 16 ) والبيهقي في شعب الإيمان ( باب 47 ح 7137 ) من حديث ثوبان رضي اللّه عنه . ( 4 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 620 ) للطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب ، بسند لين . عن ابن عباس رضي اللّه عنه . ( 5 ) أخرج البخاري في ( التفسير - تفسير سورة الزمر - بابيا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْح 4810 ) عن سعيد جبير ، عن ابن عباس : أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا ، وزنوا وأكثروا ، فأتوا النّبى صلّى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة . فنزلت هذه الآية .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 91 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان