وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
أي : ظهر لهم سيئات أعمالهم التي كسبوها . أو : سيئات كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم ، وكانت خافية عليهم ، أو : عقاب ذلك .
وَحاقَ بِهِمْ
أي : نزل بهم وأحاط ،
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي : جزاء هزئهم بالإسلام ، ومن جاء به ، ومن تبعه .
الإشارة : الآية تجرّ ذيلها على كلّ ظالم لم يتب ، فيتمنى الفداء بجميع ما في الأرض ، فلا يمكّن منه . وقوله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
، هذه الآية عامة ، لا يفلت منها إلا الفرد النّادر ، الذي وصل إلى غاية المعرفة العيانية ، ومن لم يصل إلى هذا المقام فهو مقصر ، يظن أنه في عليين ، وهو في أسفل سافلين ، ولذلك عظم خوف السلف منها ، فقد جزع محمد بن المنكدر عند الموت ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخشى آية من كتاب اللّه :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
فأنا أخشى أن يبدو لي من اللّه ما لم أحتسب « 1 » . وعن سفيان أنه قرأها ، فقال : ويل لأهل الرّياء ، ويل لأهل الرّياء . ه .
وفي الإحياء : من اعتقد في ذات اللّه وصفاته وأفعاله خلاف الحق ، وخلاف ما هو عليه ؛ إما برأيه أو معقوله ونظره ، الذي به يجادل ، وعليه يعول ، وبه يغتر ، وإما بالتقليد ، فمن هذا حاله ربما ينكشف له حال الموت بطلان ما اعتقده جهلا ، فيتطرق له أن كلّ ما اعتقده لا أصل له ، فيكون ذلك سببا في شكه عند خروج روحه ، فيختم له بسوء الخاتمة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
وبقوله :
هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
« 2 » . . الآية . انظر عبارته في كتاب الخوف ، وقريبا منه في القوت ، عصمنا اللّه من سوء القضاء ، وختم لنا بالسعادة التامة بمنّه وكرمه .
ثم ذكر حالة أخرى من قبائح أهل الشرك ، فقال :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 49 إلى 51 ]
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 )
هامش
( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 7 / 124 ) .
( 2 ) الآية 103 من سورة الكهف .