تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ونفر كانوا قد أسلموا ثم فتنوا ، فكنا نقول : لا يقبل اللّه منهم صرفا ولا عدلا ، فنزلت الآية ، وكان عمر بن الخطاب كاتبا ، فكتبها بيده ، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد ، وإلى أولئك النّفر ، فأسلموا ، وهاجروا « 1 » . قال علىّ رضي اللّه عنه : « ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية . » « 2 » . فما يقنط النّاس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول ، أو جامد ، قال زيد بن أسلم : إنّ رجلا كان في الأمم الماضية مجتهدا في العبادة ، فيشدد على نفسه ، ويقنط الناس من رحمة اللّه ، فمات ، فقال : أىّ ربّ ؛ مالي عندك ؟ فقال : النار . فقال : يا رب ؛ أين عبادتي ؟ فقال : إنك كنت تقنط النّاس من رحمتي في الدنيا ، فاليوم أقنطك من رحمتي . وعن علىّ - كرم اللّه وجهه - قال : الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط النّاس من رحمة اللّه ، ولا يؤمنهم من عذاب اللّه ، ولا يرخص لهم في معاصي اللّه . ه . ثم حضّ على التوبة لتتحقق المغفرة ، فقال :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
أي : ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص . فالإنابة أخص من التوبة ؛ لأن التوبة : مطلق النّدم على الزلة ، والإنابة : تحقيق التوبة والنّهوض إلى اللّه بإخلاص التوجه . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من السعادة أن يطول عمر الرّجل ويرزقه اللّه الإنابة » « 3 » . قال القشيري : وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة : أن التائب يرجع خوفا من العقوبة ، والمنيب يرجع حياء منه تعالى . ه . والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة في الآية بها ، كما تقدم ؛ إذ ليس المدعى : أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب ، حتى يغنى عن الأمر بها ، وإنما المراد : الإخبار بسعة غفرانه ، سواء كان مع التوبة أم لا . قال ابن عرفة : واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع بها ، ومن المعاصي ، قيل : مظنونة ، وقيل : مقطوع بها ، هذا في الجملة ، وأما في التعيين ، كتوبة زيد بن عمرو ، فلا خلاف أنها مظنونة . ه . قلت : قد اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها . ثم قال : وأما العاصي إذا لم يتب فهو في المشيئة ، مع تغليب جانب الخوف والعقوبة ، واعتقاد أن العذاب أرجح ، وأما العصيان بالقتل ، ففيه خلاف بين أهل السّنة ، فقيل : يخلد في النّار ، وقيل : في المشيئة . ه . وقال أبو الحجاج الضرير - رحمه اللّه :
وتوبة الكافر تمحو إثمه * لا خلاف فيه بين الأمّه
وتوبة العاصي على الإرجاء * وقيل كالأول بالسواء
إذ لا يكون دونه في الحال * وهو عندي أحسن الأقوال
دليله : تتابع الظواهر * شاملة مسلم وكافر . ه .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ( 24 / 15 ) وانظر : أسباب النّزول للواحدي ( ص / 384 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 24 / 16 ) . ( 3 ) رواه الحاكم ( 4 / 240 ) وصحّحه ، ووافقه الذهبي ، من حديث جابر رضي اللّه عنه .